قلت : أما إذ أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا لنقبل نزعك إليها بعد رفضك لها ، ونجيبك في الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الأشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الاعلى سبحانه وتعالى ، فأما ما يخفى ولا يظهر فليست تعرفه ، وذلك أن خالق الحواس جعل لها قلبا احتج به على العباد ، وجعل للحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ما عاينت ، وتفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماء وارتفاعها في الهواء بغير عمد يرى ، ولا دعائم تمسكها لا تؤخر مرة فتنكشط ، ولا تقدم أخرى فتزول ولا تهبط مرة فتدنو ، ولا ترتفع أخرى فتنأى ، لا تتغير لطول الأمد ولا تخلق لاختلاف الليالي والأيام ، ولا تتداعى منها ناحية ولا ينهار منها طرف ، مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيره لدوران الفلك ، وتنقلها في البروج يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة ، منها السريع ، ومنها البطيئ ، ومنها المعتدل السير ، ثم رجوعها واستقامتها ، وأخذها عرضا وطولا ، وخنوسها عند الشمس وهي مشرقة وظهورها إذا غربت وجري الشمس والقمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما وأوقاتهما يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع وأمر معلوم بحكمة يعرف ذووا الألباب أنها ليست من حكمة الانس ، ولا تفتيش الأوهام ، ولا تقليب التفكر ، فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق والتدبير والامر العجيب صانعا يمسك السماء المنطبقة أن تهوى إلى الأرض وأن الذي جعل الشمس والنجوم فيها خالق السماء ، ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الأرض فدلت القلب على ما عاينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الأرض الممتدة أن تزول أو تهوى في الهواء - وهو يرى الريشة يرمى بها فتسقط مكانها وهي في الخفة على ما هي عليه - هو الذي يمسك السماء التي فوقها ، وأنه لولا ذلك لخسفت بما عليها من ثقلها وثقل الجبال والأنام والأشجار والبحور والرمال ، فعرف القلب بدلالة العين أن مدبر الأرض هو مدبر السماء . ثم سمعت الاذن صوت الرياح الشديدة العاصفة والمينة الطيبة ، وعاينت العين ما يقلع من عظام الشجر ويهدم من وثيق البنيان ، وتسفى من ثقال الرمال ، تخلى منها ناحية وتصبها في أخرى ، بلا سائق تبصره العين ، ولا تسمعه الاذن ولا يدرك بشيء من الحواس ، وليست مجسدة تلمس ولا محدودة تعاين ، فلم تزد العين والاذن وسائر الحواس على أن دلت القلب أن لها صانعا ، وذلك أن القلب يفكر بالعقل الذي فيه فيعرف أن الريح لم تتحرك من تلقائها وأنها لو كانت هي المتحركة لم تكفف عن التحرك ، ولم تهدم طائفة وتعفي أخرى ، ولم تقلع شجرة وتدع أخرى إلى جنبها ، ولم تصب أرضا وتنصرف عن أخرى فلما تفكر القلب في أمر الريح علم أن لها محركا هو الذي يسوقها حيث يشاء ، ويسكنها إذا شاء ويصيب بها من يشاء ، ويصرفها عمن يشاء ، فلما نظر القلب إلى ذلك
معجم النبات عند أهل البيت ( ع ) — صفحة 38
مساهمون: عبد الرسول زين الدين
ص٣٨