مازجت « 1 » الرطوبة ، حلّلتها لا محالة ، فاحتيج - ضرورة - إلى الغذاء ليسدّ بدل ما يتحلل ، وللنمو .
وليس يوجد جسم مستعدّ لصور الأعضاء بسهولة ، ومن غير أن يفضل منه فضول كثيرة ، فاحتيج - ضرورة - إلى عضو تنطبخ فيه الأغذية مع الماء المشروب ، طبخا تتصغر به أجزاؤها « 2 » ، ويمكن تخلصها من الفضول « 3 » العديمة الاستعداد للتغذية .
فيمكن حينئذ أن يتصفى خالصها « 4 » ، وينفذ إلى عضو يحيلها إلى صورة تستعد بتنقّيها « 5 » لقبول صور الأعضاء ، وذلك هو الكبد . وذلك لأن الغذاء ، لو نفذ على حاله إلى الأعضاء ، وقدرت قوة « 6 » كل عضو على إحالة الوارد إلى طبيعته ، لبقي عند كل عضو فضول كثيرة ، إن لم تندفع عنه أضرّت بمزاجه ، وإن اندفعت من حيث جاءت ، أضرّت بالغذاء الوارد ، وإن جعل لكل عضو مخرج للفضول ، غير مدخل الغذاء إليه ، ومنفذ إلى خارج البدن ، وجب أن يكون البدن متخلخلا جدّا ، كالحال في الإسفنج ، وذلك موهن للتركيب . بل ولا يقوى كل عضو على إحالة الوارد إلى طبيعته بدون أن يكون قد تقدم ما بعده لذلك ؛ لأن العضو الذي يقوى على ذلك يحتاج أن تكون قوته المحيلة قوية . وإنما ذلك إذا كان مزاجه موافقا لذلك ، ولا يمكن أن تكون الأعضاء كلها كذلك ؛ لأن منها ما يجب أن يكون باردا - كالعصب - ومنها ما يجب أن يكون صلبا « 7 » كالعظم .
ولا يمكن أيضا أن يكون فعل المعدة والكبد كعضو واحد ؛ لأن إحالة الوارد عن صورته ، إنما تتم بأن يكون المحيل له كالملاقي بكليته كليته « 8 » ، ليكون فعله فيه قويّا .
وذلك إنما يمكن بأن يكون قد تصغّرت أجزاؤه ، وتصفى عن الفضول المانعة من ذلك ؛ لينفذ فيه في عروق ضيقة جدّا ، على ما هو الحال في الكبد « 9 » .
هامش
( 1 ) الكلمة في هامش الصفحة .
( 2 ) في الأصل : أجراها .
( 3 ) في الأصل : عن .
( 4 ) خالص الغذاء ، هو ما يعرف عند الأطباء باسم الكيموسChyme، وتتم عملية التكيمسChymificationعند انقلاب الطعام إلى كيموس ، إذا انهضم في المعدة ولم ينصرف منها بعد .
( 5 ) غير واضحة في الأصل .
( 6 ) غير واضحة في الأصل .
( 7 ) غير واضحة في الأصل .
( 8 ) العبارة باهتة وغير مقروءة في الأصل .
( 9 ) يستخدم ابن النفيس هنا ، ما يعرف عند المناطقة باسم ( برهان الخلف ) وهو برهان أرسطي ، يقوم على إثبات صحة قضية ببطلان نقيضها .