يستقل بتوليدها كل وقت ، ليقوم المتولد منها مقام ما تحلّل . . وذلك هو القلب ، وقد جعل في قرب الوسط ؛ لأنه أولى المواضع بالجوز « 1 » ، وليكون ما صفا منه من الروح متوجها إلى الأعضاء على الوجه العدل ولم يمكن أن يكون القلب صلبا جدّا - كالعظم - وإلّا كان أرضيّا باردا ، فلا يصلح لتوليد الروح ، فاحتيج ضرورة أن تحتفّ « 2 » به أجسام صلبة لتحفظه وتكنّه ، وتلك هي عظام الصدر والأضلاع . . ولم يجعل ذلك عظما واحدا لئلا يثقل ، فلا يمكن الانبساط والانقباض الذين « 3 » نذكر وجه الحاجة إليهما عن قريب .
وأيضا ، فهذا العضو المولّد للروح ، لا يمكن أن تصدر عنه أفعال الحسّ والحركة ؛ لأنهما إنما يصدران عن مزاج قريب من الاعتدال . . وخصوصا الأفعال السياسية « 4 » ، والعضو المولّد للروح يجب أن يكون حارّا جدّا ، ضرورة أن الروح يجب أن تكون حارة المزاج ؛ لتمكن أن تكون لطيفة خفيفة ؛ إذ البرد يلزمه الثقل والغلظ .
والمولّد للحارّ حارّ « 5 » لا محالة ، فاحتيج - ضرورة - إلى عضو معدّل للروح ؛ ليمكن أن يصدر عنها أفعال الحسّ « 6 » والحركة الإرادية . . وذلك إنما يكون بارد المزاج ؛ إذ المعدّل للحارّ بارد لا محالة ، وذلك هو الدماغ . . وقد جعل إلى أعلى البدن « 7 » ؛ لتكون حركة الروح - المتولّدة في القلب - إليه أسهل ؛ لأجل العينين ، اللذين « 8 » سنبين أنهما لا بد وأن تكونا في أعلى « 9 » البدن ، ولابد أن تكونا قريبتين من الدماغ .
وأيضا ، إنما يمكن تكوّن البدن من جسم رطب ، ليكون قابلا للتشكّل « 10 » والتمدّد بسهولة ، ولابد من حرارة تعقده وتنضج غذاه وتحلّل فضلاته . والحرارة إذا
هامش
( 1 ) يقصد : جواز الأرواح من القلب إلى أعضاء الجسم . وهنا نجد الإشارة إلى الدورة الدموية الكبرى حيث ينتقل الدم المحمل بالأرواح من القلب - بعد عودته من الرئة - إلى جميع أعضاء الجسم .
( 2 ) مقروءة بصعوبة في الأصل .
( 3 ) هكذا في الأصل ، وصوابها إملائيّا : اللذين .
( 4 ) يقصد أفعال الحس والحركة التي تقوم بتكييف حالة الجسم تبعا للبيئة المحيطة به ، كالعرق .
( 5 ) في الأصل : حارا .
( 6 ) يستخدم ابن النفيس كلمة ( أفعال الحس ) ليعني ما نسميه اليوم بالأفعال المنعكسةReflex actions( 7 ) في الأصل : أعلا .
( 8 ) هكذا في الأصل ، وصوابها : اللّتين .
( 9 ) في الأصل : أعلا .
( 10 ) غير واضحة في الأصل .