فاضطر إلى تكثير الآلات ؛ ليقوم ما صلح غذاء - مما يجاوزه - مقام ما كان يجاوره من الغذاء ، فاسدا أو قليلا . ولتكون له هذه الأصول ، بمنزلة الأطناب « 1 » من كل جانب ، فلا يتهيأ للسقوط .
وهذه الأصول لا يمكن أن تكون أفواهها واسعة جدّا ، وإلا لزم أن تكون غليظة جدّا ، ولا يمكن أن تنفذ في الأرض ، فكان يدخلها من الأرضية ، ما لا يصلح للتغذية ؛ فوجب أن تكون أفواهها ضيقة جدّا ، فوجب أن يكون جذبها خالص الغذاء وصفاوته ، ويكون رقيقا لا محالة .
فوجب ألّا يحتاج إلى معدة تصغّر أجزاء الغذاء ، ولا إلى كبد ، ضرورة أن المجذوب من خالص الغذاء وعديم الفضلات ، فيمكن كل عضو إحالة الوارد إلى مزاجه . . خصوصا ولا استحالة إلى مزاج الحيوان « 2 » .
وإذ لا حاجة به إلى معدة ، فلا حاجة به إلى كبد ، فلا حاجة به إلى أوردة . . وإذ ما يجذبه من الغذاء عديم الفضلات ، فلا حاجة به إلى سبيل البول والبراز ، ولا إلى أمعاء ، ولا مثانة ، ولا كلى ، ولا مرارة أيضا .
وإذ « 3 » لا حركة إرادية ، فلا جماع له ، فلا حاجة إلى أعضاء التناسل . . وإذ لا أعضاء للتناسل ولا حركة جماعية ، فلا بد وأن يكون الشخص الواحد من النبات ، يستقلّ بتوليد مادة الزرع ، فيكون فيه المبدأ الفاعل والمنفعل ، فلا حاجة إذا « 4 » للسان وإلى تصويت « 5 » .
وأيضا ، إذ لا حسّ له ، فلا نوم له ؛ لأنه غور ما من الحسّ . ولا يقظة ؛ لأنها ظهور ما بالحواس .
هامش
( 1 ) الأطناب : ما تشد به الخيام من الحبال ، وقيل : هو الوتد ( لسان العرب 2 / 617 ) .
( 2 ) يقصد ، استحالة الغذاء في الحيوان إلى واحد من الأمزجة الأربعة : الدم ، البلغم ، الصفراء ، السوداء .
( 3 ) في الأصل : إذ .
( 4 ) في الأصل : إذا .
( 5 ) راجع فيما سبق ، إرجاع ابن النفيس الأصوات إلى الحاجة للجماع والتناسل .