والمنكرون لهذه الأمور المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمّون الأدوية المرّة البشعة ، ويستخّطون من المنع من الأطعمة الضارّة ، ويتكرّهون الأدب والعمل ، ويحبّون أن يتفرغوا للّهو والبطالة ، وينالوا كلّ مطعم ومشرب ، ولا يعرفون ما تؤدّيهم اليه البطالة من سوء النشو والعادة ، وما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضّارة من الأدواء والأسقام ، وما لهم في الأدب من الصلاح ، وفي الأدوية من المنفعة ، وإن شاب ذلك « 1 » بعض الكراهة .
فان قالوا : فلم لم يكن الانسان معصوما من المساوي ، حتى لا يحتاج إلى أن تلذعه هذه المكاره ؟
قيل : إذا كان يكون غير محمود على حسنة يأتيها ، ولا مستحقّا للثواب عليها « 2 » .
فان قالوا : وما كان يضرّه أن لا يكون محمودا على الحسنات مستحقّا للثواب ، بعد ان يصير إلى غاية النّعيم واللّذات ؟
قيل لهم : اعرضوا على امرئ صحيح الجسم والعقل ، ان يجلس منعّما ، ويكفى كلّ ما يحتاج اليه بلا سعي ولا استحقاق ، فانظروا هل تقبل نفسه ذلك ؟ بل ستجدونه بالقليل مما يناله بالسعي والحركة أشدّ إغتباطا وسرورا منه بالكثير مما يناله بغير الاستحقاق .
وكذلك نعيم الآخرة أيضا يكمل لأهله بأن ينالوه بالسعي فيه
هامش
( 1 ) - شاب الشيء : خلطه ( أقرب الموارد ) .
( 2 ) - العصمة هنا بمعنى عدم القدرة على المعصية والجبر على الطاعة ، وبهذا المعنى لا يستحق صاحبها الثواب على الطاعة وترك المعصية ، أمّا العصمة الثابتة للنبي والامام فهي بمعنى الطاعة وتجنّب المعصية مع القدرة على المخالفة ، وبهذا المعنى يستحق صاحبها الثواب على الطاعة وترك المعصية ، فانتبه .