تعاقب الصحو والمطر
فكّر يا مفضّل في الصّحو والمطر كيف يتعاقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه ، ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده .
ألا ترى أنّ الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر ، واسترخت أبدان الحيوان وحصر الهواء فأحدث ضروبا من الأمراض ، وفسدت الطرق والمسالك ؟ ! !
وأن الصّحو إذا دام جفّت الأرض ، واحترق النبات ، وغيض ماء العيون والأودية ، فأضرّ ذلك بالناس وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا أخرى من الأمراض ؟ ! !
فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب إعتدل الهواء ودفع كلّ واحد منهما عادية الاخر « 1 » ، فصلحت الأشياء واستقامت .
فان قال قائل : ولم لا يكون في شيء من ذلك مضرّة البتة ؟ « 2 » .
قيل له : ليمضّ « 3 » ذلك الانسان ويؤلمه بعض الألم فيرعوي عن المعاصي ، فكما أن الانسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية المرّة البشعة ليقوّم طباعه ويصلح ما فسد منه ، كذلك إذا طغى واشتدّ ، احتاج إلى ما يمضّه ويؤلمه ليرعوي ويقصر عن مساويه ، ويثبته على ما فيه حظه ورشده .
هامش
( 1 ) - عادية السّم : ضرره ( أقرب الموارد ) .
( 2 ) - أي : لماذا لم يرفع اللّه تعالى الأضرار بقدرته ، حتى لا تكون فيها مضرّة ؟
( 3 ) - مضّ الجرح فلانا : آلمه وأوجعه ( أقرب الموارد ) .