لم يكن في الفم بلّة تنفذه ، تشهد بذلك المشاهدة ، واعلم أن الرطوبة مطيّة الغذاء وقد تجري من هذه البلّة إلى مواضع اخر من المرّة « 1 » فيكون في ذلك صلاح تام للانسان ، ولو يبست المرّة لهلك الانسان .
الحكمة في غموض بطن الانسان
ولقد قال قوم من جهلة المتكلّمين وضعفة المتفلسفين بقلّة التمييز وقصور العلم : لو كان بطن الانسان كهيئة القباء « 2 » يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه ، ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتا « 3 » محجوبا عن البصر واليد ، لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة ، كمثل النظر إلى البول ، وجسّ « 4 » العرق ، وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة ، حتى ربما كان ذلك سببا للموت .
فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا ، كان أوّل ما فيه أنه كان يسقط عن الانسان الوجل « 5 » من الأمراض والموت وكان يستشعر البقاء ويغترّ بالسلامة فيخرجه ذلك إلى العتوّ والأشر . ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلب فيفسد على الانسان مقعده
هامش
( 1 ) - المرّة : خلط من أخلاط البدن وهو الصفراء لأنها أقوى الاخلاط والسوداء لأنها أشدّها ( أقرب الموارد ) .
( 2 ) - القباء : ثوب يلبس فوق الثياب ( أقرب الموارد ) .
( 3 ) - باب مصمت : مغلق مبهم اغلاقه ( أقرب الموارد ) .
( 4 ) - جسّ الشيء : مسّه بيده ليتعرّفه ( أقرب الموارد ) .
( 5 ) - الوجل : الخوف ( أقرب الموارد ) .