بحسب الكمية ، فلأن المواظب على التدبير الفاضل ، الذي يفيد حفظ الصحة ربما بلغ الأجل الطبيعي ، وتاركه ربما وقع في الأجل .
فالطب لما أفاد طول الحياة ، فقد أفاد الحياة . وأما بحسب الكيفية ، فلأن الحياة مع الصحة ، أفضل منها مع الألم ، والطب واف من بعض الوجوه بإعطاء هذه الكيفية . فثبت أن الطب هو الوافي باعطاء الكمال الممكن ، بحسب الحياة والصحة .
ولما كانت الحياة والصحة « 1 » ، أفضل الأحوال الجسدانية ، كان الطب أفضل من غيره .
وأما النفس فانتفاعها بالطب من وجهين ، أحدهما : أن النفس لا يمكنها الاستكمال في قوتها النظرية والعملية « 2 » ، إلا بعد سلامة البدن ، فإن المبتلي بالآلام والأسقام ، قلما تحصل « 3 » له الأفكار الكاملة ، والأخلاق الفاضلة . وثانيهما : أن الطبيب إذا عرف بالتشريح ما أودعه الله تعالى من العجائب والغرائب ، في هذا البدن النحيف ، والهيكل اللطيف كان ذلك من أقرب الوسائل له إلى اعترافه بالخالق الكريم ، الذي أحسن كل شيء ، وهو الخلاق العليم . ثم إذا اطلع على ما في كل عضو من أقسام الأسقام ، وأنواع الآلام ، وعلم أنه سبحانه وتعالى « 4 » وضع في مقابلة كل داء دواء ، وتحت كل ألم شفاء ، ووقف وقوفا تفصيليا ، على غاية عنايته بهذه النسمة الضعيفة ، والخلقة النحيفة فلا يزال ينتقل كل لحظة من برهان إلى برهان « 5 » ، وكل لمحة من مشاهدة إحسان إلى إحسان . ولا شك أن أقصى الكمالات الممكنة للنفوس البشرية ، ليس هو إلا الإدراك ، فثبت أن الطب يفيد الغاية القصوى في كمال النفس والبدن - معا - وسعادتها .
هامش
( 1 ) + أ .
( 2 ) أ : العلمية
( 3 ) يحصل .
( 4 ) + أ .
( 5 ) + أ .