عصر القوصوني
العلم هو الوليد الشرعيّ للبيئة التي ينشأ فيها ، فلا يمكن فصل العلم في مرحلة تاريخيّة معيّنة ، عن شتى الجوانب الاقتصاديّة ، والسياسيّة ، والاجتماعيّة السائدة آنذاك . وكان لا بدّ لنا قبل الإبحار إلى عالم البحث الطبي ، المتمثل في جهود أسرة القوصوني ( القرن الحادي عشر الهجري ) وهي غاية هذا البحث ، من أن نضع بعض الصفحات حول طبيعة الظروف الحضاريّة لهذا القرن وما قبله بفترة ، إذ أن بحث الظروف المختلفة في هذه الفترة يلقى الضوء على العديد من الجوانب الطبيّة في هذه المرحلة .
ولا بدّ ، أولا من التعرف على ملمح رئيس ، كان له الأثر الأكبر في الواقع الحضاري خلال العقود السابقة على القرن الحادي عشر الهجري ، الذي ظهرت فيه هذه الأسرة الطبيّة الشهيرة .
* * * من بعد سقوط بغداد في يد المغول ، سنة 656 هجريّة ، أصبح وادي النيل مهد القوى التي أوقفت المدّ المغوليّ في موقعة ( عين جالوت ) على يد المماليك ، وكانت أراضي وادي النيل المركز الذي استمرّ به تطور الحضارة الإسلاميّة دون انقطاع ، وخلال القرون التالية أصبحت مصر مركز الحياة الفكرية في العالم الإسلامي .
ولقد كانت المؤسسات العلميّة بالبلاد تعتمد اقتصاديا على الدخل من عائدات الأوقاف ، وهي أملاك يوقفها الأثرياء الأتقياء المسلمون ، ليصرف ريعها على العلماء والفقهاء ، للقيام بسدّ حاجاتهم الدنيويّة .
وكانت العلوم والفقه الدينيّ ، هي الوسائل الوحيدة التي يستطيع السكّان الوطنيون أن ينالوا بها الوظائف العالية في الدولة ، لذلك كثر العلماء الدينيون والفقهاء ، وكان همهم