الباب التاسع والثلاثون لإخراج القيء إذا دعت إليه حاجة إما لبلغم أو صفراء
اعلم أن القيء إذا استعمل بالاعتدال نقى المعدة ، فجاد الهضم وخصب البدن ، وخفف الرأس والحواس ، وأحد البصر ، وإذا أفرط أنحف الجسم وأضر بالكبد والصدر والرئة والعين ، وربما شق العروق وخرقها وأهاج نفث الدم .
والذي يحتاج إليه القيء في حفظ الصحة : من يجتمع في معدته بلغم كثير ، وقد قال بعض الحكماء : ينبغي أن يتقيأ هؤلاء في الشهر مرة أو مرتين بعد الامتلاء من الطعام ، فإن الامتلاء أدعى لخروج القيء ، وكذلك استعمال شيء من المقيئات ، فإنها تسرع بخروجه ، ولا ينبغي أن يستدعى القيء وهو خالي المعدة بل يكون على الشبع ، لأن القيء من غير امتلاء لا يكاد أن يخرج إلا بعد شدة وتعب ومشقة واجتهاد .
والأصلح أن يكون المأكول الذي يراد إخراجه بالقيء أن يكون حامضا ، والسمك خير ما استعمل لذلك ، والأجود أن يكون لخوخا وسمنا وقطيبا وسمكا وبقلا ، ثم يقف قليلا قدر ما لا يدعه أن ينزل إلى الأمعاء السفلى ، ثم يشرب عليه ماء حارا وفيه يسير من العسل ، ثم يستدعى القيء ، يفعل ذلك يومين متابعا فإنه عظيم النفع إن شاء اللّه تعالى .
وينبغي ألا يكثر من القيء ولا يدمنه فإن ذلك يفسد المعدة ويسقط قوتها ، وإنما كان القيء على الشبع عظيم النفع ؛ لأنه يستولي على ما في المعدة وسائر الجسم من الأخلاط والأثقال والرطوبات فيدفعها .
ومن الأشياء المقيئة : عود الإقليط ، ولكنه يقيء بشدة وفيه حرارة ، فينبغي أن يجتنب المحرور إذا أكل من الإقليط شيء ، فيكون المأكول منه قدر حبة الدخن ، ومن الأشياء المقيئة : جوز القيء وهو حب الرقع وهو شجر معروف في جوار الجبال يؤخذ حبه ثم يقشر ويرمى بلبه ويؤخذ القشر - وهو الجعب - ، فيدق منه قدر قفلة وتشرب بماء حار مع قليل ملح فإنه يبعث القيء وقد يسهل ، فإذا أفرط فليغتسل بماء بارد .