وقد ذكر المتقدمون في كتبهم أنه أشد البهائم ، لأن البعير البازل 12 أكثر ما يحمل ألف رطل ، فإذا حمل هذا المقدار لم ينهض به الا بعد الجهد والحيلة ولا يجري بحمله ذلك ، ورأينا الفرس يحمل من فارسه وآلته وسلاحه وتحافيفه وزاده وعلفه وسنجقه 13 ان كان في يده في يوم ريح زهاء ألف رطل ، ويجرى بذلك يوما كاملا لا يمل ولا يجد جوعا ولا عطشا ، فعلمنا أنه لا شيء من البهائم أشد ولا أصبر ولا أقوى ولا أجود من الفرس .
وقد ذكر بعض الفلاسفة أن للفرس جناحين ، فإذا نشرهما لا يبالي بما عليه من الثقل .
وأما صفة ذلك الفرس العتيق فهو من اشتد نفسه ، واتسع جوفه ومناخيره ، وطال عنقه ، واشتد مركبها في حاركه ، وعظم فخذاه واشتد حقواه ، 14 وأمحصت 15 فصوصه ، وصلبت حوافره .
واعلم أن هذه الصفات لا تتم إحداهما الا بأختها حتى يكون الفرس كاملا .
لأنه متى اشتد نفسه وكان متنفسه ضيقا لم ينتفع بشدة نفسه ، لأنه إذا طوّل عليه الجري واحتاج إلى الصبر يزداد نفسه في جوفه ولم يخرج ، فينبهر ويكرب وينقطع عن الجري .
وان كان شديد النفس واسع المتنفس ولم يكن واسع الجوف لم يدر النفس في جوفه ولم يصبر على البعد والغاية الطويلة .
وأما طول عنقه فليستعين بها في جريه ويتساند 16 إليها .
وأما عظم فخذيه فلاعتماده عليهما .
وأما إمحاص فصوصه فللزوم العصب بهما ولئلا يكون فيهما غلظ ولا جساوة ، 17
وأما قوة حافره فلأنها الدعائم التي يلاقي بها الأرض والصخور .
وقد قيل أن أبين شاهد في معرفة الجواد العتيق الصبور لين شكيرته ، 18 والشكيرة هي أصل معرفته بأن تكون لينة ناعمة كشبه الحرير المندوف ، 19 فان كانت كذلك فهو جواد عتيق صبور .
كامل الصناعتين في البيطرة والزردقة ( الناصري ) — صفحة 194
مساهمون: أبي بكر بن بدر الدين البيطار
ص١٩٤