للمريض الرؤى والأحلام بعد قضاء ليلة في المعبد ، فيقوم الكهنة بعد ذلك بوصف العلاج الذي كان مزيجا من الأدوية المجرّبة والرّقى والطقوس السحرية . وقد كانت ( الحضانة الروحية ) طقسا علاجيّا مارسه الفراعنة من قبل « 1 » . المهم ، أن الطب اليوناني أخذ يتخلص من الخرافة شيئا فشيئا ، وتنازعت رياسته مدرستان : كوس
Cos
، كنيدوس
Cnidos
. وظل التنافس بينهما فترة طويلة ، ثم انحسم لصالح كوس ؛ لما ظهر أبقراط بها .
وكان فن العلاج عند أبقراط قائما على مجموعة من النظريات الطبية التي لا يتسع المجال هنا إلا لمجرد الإشارة إليها ؛ فإن استعراضها يقتضي بحثا مطولا . وهذه النظريات على وجه الإشارة هي :
- الربط بين اختلال حال الجسم العلة الطبيعية لذلك .
- نظرية الأخلاط الأربعة : الدم ، البلغم ، الصفراء ، السوداء .
- الاهتمام بالتدبير الغذائي وأحوال المناخ .
- الاعتماد على القوة الشافية الكامنة في الجسم .
- ضرورة التكهّن بما سيئول إليه سير المرض ( تقدمة المعرفة ، الإنذار المرضي ) .
- العلاج بالضّدّ .
وكان أروع إسهامات أبقراط الطبية ، أنه نظر للمرض نظرة شديدة الواقعية ، فنراه في أشد الأمراض قبولا للتفسير الخرافي ، أقصد الصرع
EPilePsy
لا ينجرف إلى التفسيرات الخرافية ، وإنما يبدأ كتابه في ( الصرع ) بقوله : « ها أنا أبدأ ببحث المرض المعروف بالمقدس ، وليس هو في رأيي أعرق في الألوهية والقداسة من غيره من الأمراض ، بل له سبب طبيعي . . ويبدو لي أن الذين نسبوا إلى هذا المرض طابعا قدسيّا ، كانوا أشبه بالسحرة والمشعوذين الذين عزّ لديهم العلاج الشافي ، فتستروا بالخزعبلات ، ووسموه بالمرض المقدس ؛ كي لا يفتضح أمرهم » . ونفس اللهجة نراها في كتاب آخر لأبقراط هو : « الأهوية والمياه والبلدان » . ومع هذا ، فإن نسبة الكتابين لأبقراط تحوم حولها الشكوك ويرجّح بعض المؤرخين أنهما من وضع أحد تلاميذ أبقراط المتأخرين .
هامش
( 1 ) سارتون : تاريخ العلم 2 / 210 .