تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
الإشارة إلى دلالة التجربة على أنّ الزرنباد يسمّن الا بدان ، ومع ذلك فإنه لا يغذو ! يقول العلاء في ذلك : إن هذا الدواء قد جرّب ، فوجد يسمّن البدن . وقد بيّنّا أنه لا يصلح لغذاء الأعضاء ؛ فلذلك ، تسمينه ليس بمادته فيجوز أن يكون بصورته . وذلك بأن يزيد في قوى الأعضاء على الاغتذاء ويجوز أن يكون بتنفيذه الأغذية ونحو ذلك . . وما يقرّره العلاء هنا ، هو ما يعرف اليوم بالفرضيّات ، التي هي أحد أهمّ أركان المنهج التجريبى . وقد كان العلاء أمينا في إخباره بالمجرّبات ، فلم يورد منها إلا ما صحّ عنده ، ولذا نراه يذكر - بوضوح تام - إن كانت أفعال الدّواء قد صحّت عنده أم لا ، ومن ذلك ما يورده في آخر مقالة الزعرور من قوله : وأنا لم أجرّب ذلك . . وكعادته في التطرّق إلى المعارف المتنوعة ، المتعلّقة بموضوعه ، نرى العلاء في هذا الجزء وهو يغوص في التركيب الكيميائى للزئبق ، عند الكلام عن ماهيته . . وقد قارنت بين ما أورده ، وما أورده كبار الأطباء والصيادلة بصدد الزئبق فلم أجد عند السابقين عليه ، من أمثال الرازي ( الحاوي 20 / 597 ) أو ابن سينا ( القانون 1 / 303 ) أو اللاحقين كابن البيطار والملك المظفر وداود الأنطاكي ، من عنى بالكلام عن ماهية الزئبق وطبيعته ، تمهيدا للكلام عن أفعاله في البدن . . مثلما فعل العلاء . وقريب مما سبق ما يقابلنا في مقالة الزجاج من كلام العلاء عن جغرافية مصر وتاريخها الجيولوجى ، وذكره لبعض الوقائع الدالّة على أنّ أرض مصر كانت في الأزمنة القديمة بحرا ! لأنّ رجلا وجد في بئر بالقرافة : رجل مركب ( يقصد : مجدافا ) ولأن قاع البحر رمال ، والرمال تكثر بأرض مصر ! ومن القواعد الكلّية ، التي يداوم العلاء على ذكرها كلّما واتته الفرصة وسمح له السياق ، ما نراه في الفصل الثالث من مقالة الزرنباد حيث يؤكّد أنّ ذوق اللسان ، هو أنموذج لانفعال البدن وتأثّره بهذا الدّواء أو ذاك . . وهي قاعدة تستحقّ التّأمّل . وقد ورد سهو في خاتمة كتاب الزاي دلّ على طريقة العلاء في التأليف فقد قال ما نصّه : الزئبق ، سنذكره . . إلخ ، مع أنه كان قد ذكر الزئبق قبل ذلك . وهذا يعنى أنه كان يجمع المفردات التي سيفرد لها مقالات مستقلّة ، ويعزلها عن بقية المفردات التي أودعها الخاتمة . . كما يعنى أنه كتب الخاتمة ، قبل المقالات ! وأخيرا ، فممّا يلفت النظر في طريقة التأليف أنّ العلاء ( ابن النفيس ) كان - إذ يتحدّث في العلم - ينأى تماما عن الخوض في الجوانب الدينية ، حتى إنه عند كلامه ( في الخاتمة ) عن شجرة