ولما كان الخيار مع أنه عسر الهضم ، هو كثير الرطوبة ، كثير المائيّة . فإذا لم يتم هضمه ، بقي في المعدة ، وهو شديد الاستعداد للعفونة والفساد ، فإنّا بيّنّا أنّ جميع الأجسام الكثيرة الرطوبة ، فإنها شديدة الاستعداد للتعفّن والفساد . فلذلك تفسد « 1 » بسرعة إذا حصل لها سبب مفسد معفّن - ولو كان ضعيفا - إذ المستعد لشئ ما يكفيه في تحقّقه أيسر الأسباب الفاعلة له . وهذا السبب المفسد هو الحرارة ، وباطن البدن شديد السخونة ؛ فلذلك يعرض لجرم الخيار حينئذ ، عفونة وفساد ، ويكون هذا الفساد شديدا ؛ لأجل قوة الفاعل ، وشدّة قبول المنفعل .
فلذلك ، إذا لم يجد انهضام الخيار في المعدة ، كان فساده فيها شديدا وكذلك إذا لم يجد انهضامه في غير المعدة أيضا . فلذلك كانت التخمة من الخيار رديئة جدّا ، لأنها يحدث عنها « 2 » فساد عظيم في جوهره .
ولما كان الخيار عسر الهضم ، باردا ، مجففا ؛ فإذا أكل مع الأطعمة الأخرى فجّجها وعسّر انهضامها ، وعرض ما يعرض من اختلاط ما يسهل انهضامه بما يعسر انهضامه ، وذلك مضرّ ، كما بيّنّاه في كلامنا في الفنّ الثاني من هذا الكتاب .
فلذلك لا ينبغي أن يؤكل الخيار مع الأطعمة الأخرى ، خاصة الغليظة منها والباردة ، والمولّدة للرياح كالحصرميّة والمضيرة والأرز . اللّهم إلّا أن يكون ذلك الخيار قليلا جدّا ، كما إذا أكل منه نصف واحدة ونحو ذلك ، مع أكل الطعام أو بعده ، فإنّ ذلك مما يطيب النفس .
وقشر الخيار لما كان كثير الأرضيّة ، فهو لا محالة : عسر الانهضام ، فلذلك أكله ردئ ، لأنه - مع عسر انهضامه - قليل الغذاء . فلذلك ، الأفضل أن يكون أكل الخيار بدون قشره ، وذلك بأن يقتصر على أكل اللّبّ وحده . ويقال إنه إذا أكل بقشره ، كان انحداره أسرع ؛ كالحنطة إذا أكل خبز دقيقها مع القشر الذي هو النخالة ، فإنّ هذا الخبز يكون أسرع انحدارا من الخبز السّميد .
والذي يظهر لي - واللّه أعلم - أنّ الأمر في الخيار ليس كذلك . وذلك لأنّ قشر الحنطة إنما كان مسهلا لانحدار لبّها ؛ لأنه شديد الجلاء ، وجلاؤه يحدر اللّبّ . ولا كذلك قشر الخيار فإنه يخلو عن الجلاء ، فلذلك ليس يعين على الإحدار .
وقد يسلق « 3 » الخيار ثم يطجّن « 4 » ببعض الأدهان ، فيكون غذاء صالحا للمحمومين خاصة
هامش
( 1 ) غ : يفسد .
( 2 ) ه ، ن : فيها .
( 3 ) : . يصلق .
( 4 ) يقصد : يطبخ في الطاجن وهو إناء من الفخار ، لا يزال يستعمل في صعيد مصر .