والحامد : وهو الذي يحمد اللّه تعالى جهرا في وسط الطعام ، ولا سيما رب المنزل ، فكأنه ينسب في ذلك إلى تنبيه الحاضرين على الكف عن الطعام كما حكى جحظة عن نفسه ، قال : أكل عندي بعض المجان ، فسمعني ، وأنا أحمد اللّه ، عز وجل ، في وسط الطعام لشيء خطر ببالي من نعمه التي لا تحصى فنهض ، وقال : أعطى اللّه عهدا ان عاودت ، وما معنى التحميد في هذا الموضع ؟ كأنك أردت أن تعلمنا أنا قد شبعنا . ثم مال إلى الدواة فكتب :
وحمد اللّه يحسن كلّ وقت * ولكن ليس في أول الطعام
لأنك تحشم الأضياف منه * وتأمرهم باسراع القيام
وتؤذيهم وما شبعوا بشبع * وذلك ليس من خلق الكرام
والمبقّي : مثل ما حكي ان رجلا دعا ضيفا ، فلما أحضر الطعام أحضر مع الطعام دجاجة واحدة ، وفي جانب بيته ثلاث دجاجات سمان مسموطة معلقة ، فكأنه أبقى عليها ، أو صغرت همته عن طبخ كل ما حضر عنده ، ومثل من يقدم طعاما قليلا لا يكفي الحاضرين ، واللحم في داره معلق بإزاء اخوانه .
والمستظهر : مثل بعض الأغنياء ، فإنه اعتذر بترك الاحتفال بعذر ، فما حسن الاعتذار قط به الا من مثله ، فقال : ما يمنعني من الاحتفال إلا الاستظهار ، فقيل له :
وكيف ذاك ؟ قال : أكره أن أحتفل فيتأخر عني من أدعوه عن عمل أو عائق فأكون قد تكلفت شيئا لم أنتفع به ، فقال في ذلك بعض اخوانه :
إذا كنت لا تدع الاحتفا * ل إلا لأنك تستظهر
فلا تدعونّ أحدا بته * فهذا هو النظر الأوفر
ولا سيما أنا من بينهم * فإني ، وحقك ، لا أحضر
وكان آخر لا يشرع في شيء من آلة الدعوة حتى يحضر اخوانه ، ويأمن تأخرهم ، فلا يلحق طعامه حتى يتصرم يومهم ، وتضطرم نار الجوع في أحشائهم ، وقال بعضهم فيه :
خاف الضياع على شيء يعجله * من المطاعم ان اخوانه ثقلوا
فليس تعلو على الكانون برمته * حتى يرى أنهم في البيت قد حصلوا