الحضر وحنينه اليه بعد أن سئم طعام البادية ويذكر ما جلبته إليهم حضارة الفرس وغيرهم من العجم .
قال أبو الهندي :
أكلت الضباب فما عفتها * واني لأشهى قديد الغنم
ولحم الخروف حنيذا وقد * أتيت به فاترا في البشم
فأما البهط وحيتانكم * فما زلت منها كثير السقم
وقد نلت منها كما نلتم * فلم أر فيها كضب هرم
ولا في البيوض كبيض الدجاج * وبيض الدجاج شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العريب * ولا تشتهيه نفوس العجم « 1 »
ومن ذلك أيضا ما ذكره الجاحظ في كتاب البخلاء ، يصف لنا طعام العرب قبل الاسلام وطريقة معالجته بشيء من الدقة والبراعة ، فقال على لسان أحد الأعراب :
« أتينا ببر كأفواه النغران ، فخبزنا منه خبزة زيت في النار ، فجعل الجمر يتحدر عنها تحدر الحشو عن البطنان ، ثم ثردها فجعل الثريد يجول في الإهالة جولان الضبعان في الضفرة ، ثم أتانا بتمر كأعناق الورلان ، يوحل فيه الضرس « 2 » » .
أهمية التمر واللبن :
على أنه مهما تنوعت أطعمة العرب قبل الاسلام وسواء كثرت وتعددت أسماؤها وألوانها عند أهل اليسار منهم ، أو شحت ونضبت عند الفقراء ولا سيما في سني القحط والجدب ، فإن اللبن والتمر يبقيان الغذاء الأساسي المشترك بين هذه الأنواع . وبالتالي بين العرب جميعا .
هامش
( 1 ) عيون الأخبار : ابن قتيبة ج 3 - ص 209 وما بعدها .
القديد : اللحم المملوح المجفف في الشمس - حنيذ : مشوي - البهط : كلمة هندية وهي الأرز يطبخ باللبن والسمن خاصة بلا ماء . واستعملته العرب بالهاء فقالوا بهطة طيبة .
القرم : شدة الشهوة إلى الطعام - والمكن : بضم الميم واسكان الكاف بيض الضبة .
( 2 ) البخلاء : للجاحظ ص 161 .
الثغران : القدر ، ونفرت القدر نفرانا : غلت - الضبعان : مثناه ضبعان : ذكر الضبع - الضفرة : ما عظم من الرمل وتجمع - الورلان وأورال : هو دابة على خلقة الضب أعظم منه - طويل الذنب دقيقه .