من ذلك ما ذكره العماد الاصفهاني « عندما وصل السلطان صلاح الدين إلى بيروت ، وتلقاه وإليها عز الدين أسامة ، فقراه وأضافه ، وأهدى وفرق على الكبير والصغير التحف ، وأحضر السلطان ولكل من معه الطرف ، وأحضر كل ما عنده مما كسبه في الغنيمة ، من الجوخ الإفرنجية ، والثياب البندقية ، والهنايات « 1 » الفضية ، والأكواب اللجينية ، والسروج واللجم ، والأكسية والحزم ، والمهاميز « 2 » وملاميط « 3 » والغفافير « 4 » والعروض والدراهم والدنانير ففرق من ذلك ما جمعه « 5 » » .
كذلك يبدو هذا التأثير المتبادل واضحا كل الوضوح عندما كانت تعقد معاهدات الصلح بين الطرفين المتحاربين من المسلمين والفرنجة ، فقد كانت الأفراح تعم الطرفين ، ويكون يوم الصلح مشهودا يشمل الفرح فيه الطائفتين لما نالهم من طول القتال والنزال وشدة المعاناة من ويلات الحروب . فتختلط عساكر الفرنجة بجنود المسلمين ، وترحل جماعة من هؤلاء إلى مدن الفرنجة ، ويدخل خلق عظيم من الفرنجة إلى بلاد الاسلام زائرين آمنين « 6 » ويتبادل ملوك الطرفين الهدايا والألطاف .
فقد أرسل ملك الفرنجة إلى الملك الكامل هدية سنية فيها عدة خيول منها فرس الملك بمركب ذهب مرصع بجوهر فاخر ، فتلقاها الكامل بالقرب من القاهرة بنفسه وجهز الكامل ملك الفرنجة بهدية من تحف الهند والصين والعراق والشام ومصر والعجم ، وفيها سرج من ذهب ، وفيها جوهر بعشرة آلاف دينار مصرية « 7 » .
وكانت هذه الاحتفالات الحربية تدق البشائر في طول البلاد وعرضها ، وتمد الأسمطة السلطانية ، فتنال منها طبقات الشعب ويكون اليوم يوم فرح وسرور .
هامش
( 1 ) الهنايات : ج هنات وهي وعاء يقدم فيه الشراب .
( 2 ) المهاميز : ج مهماز أو مهمز وهو ما يهمز به .
( 3 ) الملاميط : ج ملامطة وهي الجبة من الحرير .
( 4 ) الغفافير : ج غفار وهي زرد من الدرع ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة ( انظر النجوم الزاهرة :
ج 6 ، ص 268 ) ط : دار الكتب عن شرح القاموس ) .
( 5 ) الفتح القسي للعماد الاصفهاني : ص 616 .
( 6 ) السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي : ج 1 ، ص 110 .
( 7 ) السلوك للمقريزي : ج 1 ، ص 322 .