وكان « يعمل في المطبخ دواما خمسون غلاما ، ويصل القصر بالمطبخ طريق تحت الأرض ، وجرت العادة في مصر أن يحمل إلى دار الشراب السلطانية ( شرابخانة ) كل يوم أربعة عشر حملا من الثلج ، وكان لمعظم الأمراء والخواص راتب يومي من هذا الثلج ، ويصرف منه لمن يطلب من مرضى المدينة « 1 » » .
وإلى جانب الغلمان الذين يعملون في مطابخ الفاطميين ، فإن قصورهم تعج بعدد كبير من الجواري ولا سيما اللواتي أتقن فن الطبخ وبرعن فيه ، « ولهن في الطبخ صناعة عجيبة ورئاسة متقدمة « 2 » » .
ولعل مصر قد فاقت بغداد في تنوع الأطعمة وصناعتها والاكثار منها ، لكثرة من توفر لهذه الصناعة من حذاق الطباخين والطباخات . فنالت بذلك شهرة واسعة في هذا المجال . ، وبعد أن كانت أطعمة الفاطميين وموائدهم محاكاة لما كانت عليه بغداد من إنفاق وتنوع وإسراف ، فقد بالغ الحكام الفاطميّون في هذا لما تفرضه عليهم أبهة الملك وعظمة السلطان .
فأكثروا من الإنفاق وأكثروا من الجواري الحاذقات لصناعة الطباخة حتى أن نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر المتوفي سنة 0453 ه وكان أميرا متهالكا على اللذة ، قضى أيامه ولياليه جادا في طلب أطايب الحياة من مأكل ومشرب ومجلس أنس ، وكانت « تزيد قيمة آلات مجلسه على مائتي ألف دينار « 3 » » .
وعندما رغب نصر الدولة في أن يبلغ طهاته مستوى رفيعا في إجادة فن الطباخة وصناعتها لم يرسل بهم إلى بغداد لإتقان هذه الصناعة مع كونها أقرب إلى بلاده ، بل « أرسل طباخيه إلى مصر ليتعلموا أنواع الأطعمة « 4 » » .
ولما كان لأولئك الجواري القدح المعلى في الإتقان والإبداع فقد تنافس الأمراء فيهن ، وحرصوا على الاستكثار منهن في قصورهم . وأصبحن نفائس يتهادى بها الملوك
هامش
( 1 ) سفرنامة : ص 65 .
( 2 ) السلوك في أخبار المملوك ، خزانة باريس رقم 1727 . ص 18 . وانظر المشرق مجلد سنة 1941 .
( 3 ) روضة المناظر لأبي الوليد بن الشحنة ، بهامش الكامل لابن الأثير : ج 12 - ص 19 .
( 4 ) نفس المصدر السابق : ج 12 - ص 30 .