فائقة وببراعة شديدة بحيث ينصب قدرين على نار واحدة مما يعبر عن تطور فن الطهي في ذلك العصر : يقول مصعب :
خبيصة تعمل من سكرة * وبرمة « 1 » تطبخ من قنبرة
عند فتى ، من حسن تدبيره * ينصب قدرين على مجمرة
في يوم قصف هائل ريقه * كثيرة اللّذات والقرقرة « 2 »
وما وصف المعري لمآدب أهل الجنان وتشبيهها لمآدب الدار العاجلة حين يقول :
« ويخطر أن تكون كمآدب الدار العاجلة » إلا دليل واضح على تطور فن الطبخ وتنوع أسبابه وفنونه في العصر العباسي ، وبالتالي تفنن الناس في اعداد أنواعه ولا سيما براعة أهل حلب فيه حيث يقول : « فإذا حصلت النحوص فوق الأفاوض ، والأفاوض مثل الأوضام بلغة طيء قال - زاد اللّه أمره من النفاد - أحضروا في الجنة من الطهاة الساكنين ب « حلب » على مر الأزمان ، فتحضر جماعة كثيرة ، فيأمرهم باتخاذ الأطعمة ، وتلك لذة يهبها اللّه عز سلطانه « 3 » » .
وقد كان الطعام والغناء والشراب الشغل الشاغل للطبقة المترفة من الناس ، وكأن لا هم لهم الا أن يطبخوا ويشربوا ويطربوا . فقد سئل أحدهم وكان في مجلس : فيم كنتم ؟ قال : كنا في قدر تفور ، وكأس تدور ، وغناء يصور ، وحديث لا يخور « 4 » » .
ولعل اهتمامهم الشديد بالطبخ دفعهم إلى وصف القدور والجفان تقربا إلى الخلفاء والأمراء وامتداحا لكرمهم ، أو فخرا بأنفسهم وما يتصفون به من اكرام للضيوف والطارقين ولا سيما الفقراء .
وكلما كان قدر أحدهم كبيرا واسعا كان هذا دليلا على كرمه وكثرة ضيفانه ،
هامش
( 1 ) البرمة : القدر .
( 2 ) القرقرة : الضحك العالي وهو صوت غليان القدر على النار . الأبيات من طبقات الشعراء ص 387 .
( 3 ) رسالة الغفران : ص 271 .
المآدب : ج مأدبة بضم الدال من الأدب بنسكين الدال أي الدعوة .
( 4 ) عيون الأخبار : ج 3 - ص 235 - يصور : يصوت - لا يخور : لا يضعف .