طباخنا صانع رؤوسا * يسقط في طيبها الخلاف
مبيضّة كاللجين لونا * شهية كلها نظاف
وأخذها في الرقاق يحكي * صريع حمّى له لحاف
من بين عجل إلى خروف * تزهى بتنضيدها الصحاف
مختلفات القدود لكن * لها بأسنانها ائتلاف
وكلها راضع صغير * له على ضرعها اعتكاف
قد أسمنتهن أمهات * من طول إرضاعها عجاف
نسقى على ذاك روح دن * أرق أسمائها السلاف
عروس دنّ صفت وطابت * لونا وطعما فما تعاف
كأن ابريقها لدينا * ناكس رأس به رعاف
والنقل من فستق جني * رطب حديث به القطاف
لي فيه تشبيه فيلسوف * ألفاظه عذبة خفاف
زمرّد زانه حرير * في حقّ عاج له غلاف
فصر إلينا غدا بليل * أفديك من كل ما يخاف
فأنت أصل السرور عندي * وكل ما بعده مضاف « 1 »
لا شك أن طباخ أبي اسحق كان ماهرا في صناعة الرؤوس وتنظيفها وتنضيد صحافها على مائدة الطعام ، كما كان ماهرا في احضار آلة الشراب : السلاف الصافية وابريقها المعكوف ثم الفستق الأخضر العذب الحديث الجني .
وهاك طباخ آخر قد اختص بصنع لون من الطعام يعرف باسم « الخبيصة » « 2 » فحدثنا الشاعر مصعب الموسوس « 3 » عن مهارة هذا الفتى في طبخها وانضاجها بسرعة
هامش
- وقد ولي ديوان الرسائل أيام الوزير المهلبي ولما توفي المهلبي اعتقل في جملة عماله . انظر لاستكمال أخباره ونثره وشعره : يتيمة الدهر ج 2 ، ص 241 وما بعدها .
( 1 ) يتيمة الدهر : ج 2 - ص 261 .
( 2 ) الخبيصة : طعام عربي يعمل من التمر والسمن . ويظهر أنه صار يعمل من العسل بدلا من التمر ، ومن ذلك ما ذكره الراغب « وقيل : ذهبت بهجة الخبيص منذ عمل من عسل » . انظر محاضرات الراغب : 296 ط الشرقية .
( 3 ) مصعب الموسوس : شاعر عباسي لم يذكر ابن المعتز في طبقاته الكثير من أخباره . نظر إلى عين شاة من شباك كوة إلى الطريق فظن أنها عين جارية فعشقها وتردد إلى ذا المكان شهرا ثم لزمه . واكتشف أمره ، فكان استهزاء الصبية منه سبب وسواس مصعب . ( انظر الطبقات ص 368 ) .