حيث لم يعرفه العرب قبل العصر العباسي . ولا تذكره كتب الأقدمين . إذ كان معوّل القدماء على العسل فقط ولا شيء سواه .
ترف الخلفاء والوزراء في أطعمتهم :
ان كل هذه المواد الغذائية التي دخلت الحضارة العربية لم تكن لتسد حاجة الخلفاء العباسيين وتقنعهم فيما يأكلون . بل كثيرا ما كانوا يستحضرون أصنافا من الطعام من بلاد نائية ، يحملونها على البريد وينفقون في ذلك الأموال الكثيرة « 1 » .
كاستحضار ما اشتهر بطيبه من ألوان اللحوم والطيور والفاكهة والخضراوات ولو بعد مكانه . حتى أنهم كانوا يزنون هذه الأطعمة أحيانا بما يعادلها في الوزن من الفضة .
كما اعتاد أهل بغداد أن يجلبوا ألوان الطعام الأخرى كالسمك والحبوب والجبن وما إلى ذلك من البلاد الأخرى كفارس وعمان والهند « 2 » . وكانوا يربون الطيور الداجنة على أطعمة مغذية يتوهمون أنها تزيد في لذة طعمها أو نفعها أو تسهل هضمها . فكانوا يعلفون الفراريج الجوز المقشر ، ويسقونها اللبن الحليب « 3 » . فاتسعت لذلك مطابخ الخلفاء والأمراء كما توسعوا في النفقة عليها . حتى صار لكل صنف من ألوان الأطعمة خدم عليهم رئيس .
فكان عندهم لتربية الطيور إدارة قائمة بذاتها عليها رئيس . وبلغت علوفة البط وحدها .
على أيام المقتدر العباسي 30 قفيزا من الشعير كل شهر « 4 » . « فاعتبركم يحتاج اليه أحدهم إذا أراد نقل مطبخه من الدواب لحمله . ذكروا أن عمرو بن الليث الصفار كان مطبخه يحمل على 600 جمل » « 5 » .
كذلك تفنن الطهاة في اصطناع الأطعمة التي يظنون فيها الغذاء الكثير أو النفع الصحي . وربما فعل ذلك بعضهم مبالغة في الحفاوة والاكرام كما فعل إبراهيم بن المهدي في زيارة زاره فيها الرشيد فاصطنع له أطعمة بينها جام سمك مقطع . فاستصغر قطعه فسأله الرشيد عن ذلك فقال إبراهيم : « يا أمير المؤمنين هذه ألسنة السمك » . وقدّرت نفقة ما في
هامش
( 1 ) لطائف المعارف : ص 95 وابن بطوطة ج 2 - ص 3 .
( 2 ) الطبري : ج 10 - ص 52 .
( 3 ) طبقت الأطباء لابن أبي اصيبعة : ص 140 .
( 4 ) تاريخ الوزراء : للهلال الصابي ص 351 . طبعة بيروت سنة 1904 م .
( 5 ) الفخري ، أو الآداب السلطانية لابن الطقطقي ص 232 - طبعة مصر سنة 1317 ه .