بالفتوحات ونشر الدين الاسلامي مما لم يدع لهم مجالا لتطوير أساليب حياتهم ، كما صرفهم عن التفكير في شؤون طعامهم ومشربهم وملبسهم .
وقد أحل الدين الاسلامي الحنيف للعرب والمسلمين الطيبات من المآكل وأباح لهم التنعم بها عندما خاطبهم بقوله تعالى
« يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً »
« 1 » .
وكذلك في قوله :
« فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً »
« 2 » كما قال سبحانه وتعالى :
« كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
« 3 » . وقوله
« قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ »
« 4 » .
فالاسلام أباح لهم كثيرا من اللذات ولم يحظر عليهم أن ينالوا منها بل جعلها حلا لهم في حين حرم عليهم الاسراف فيها والانغماس بها .
وقد كانوا يقولون إن ملاذ الدنيا ستة أقسام : المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمشموم والمسموع . وأفضل هذه الأقسام وأهمها المأكول ، إذ كان هو قوام الأبدان ومادة الحياة ، ولا سبيل إلى استعمال غيره الا بالصحة التي هي معين عليها .
وقد قال بعض الحكماء : « أربعة تجمع الحسنى وتكمل النعمى : دين قوي ، وسعي زكي ، وطعام مري ، وشراب هني » فدل على أنه لا باس بالتلذذ في الأطعمة والتخصص بها « 5 » .
زهد النبي والصحابة في الطعام :
ومع أن الاسلام كما رأينا لم يحظر على المسلمين التأنق في المآكل والاهتمام بها والانصراف إليها الا أن النبي ( ص ) وكثيرا من الصحابة كانوا يقلّون من الطعام لا لفقر أو شح ولكن زهدا في الدنيا ، وانصرافا عنها ، وتواضعا وبعدا عن العظمة ، وصلف الملوك . فقد روي عنه صلى اللّه عليه وسلم قوله : « وما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل
هامش
( 1 ) الآية من سورة : « المؤمنون » - 51 مكية .
( 2 ) الآية من سورة : « النحل » - 114 مكية .
( 3 ) الآية من سورة : « الطور » - 19 مكية .
( 4 ) الآية من سورة : « الانعام » - 32 مكية .
( 5 ) مقدمة البغدادي : ص 10 - محمد عبد الكريم البغدادي : كتاب الطبيخ طبعة الموصل سنة 1934 .