في طريق الموت ، وإن كان الموت انطفاء الحرارة الغريزية فالشيخوخة خمودها .
فجمهور الأطباء متفقون على أن سن الصبيان حار رطب ، وسن المشايخ بارد يابس بالطبع . وأما الذي اختلفوا فيه فهو سنّ الصبا وسنّ الشباب ، فقال بعضهم إن الصبيان أسخن من المتناهين في الشباب ، وقال بعضهم بل المتناهين في الشباب .
( 9 ) قال : ولكل فريق منهم قول مقنع . والحكم من قبل القول على الصواب في ذلك ليس بسهل . فللقائلين بأن الصبيان أحر حجج : أحدها أن الجنين يكاد أن تكون أعضاؤه كلها دما ، والدم أسخن من جميع ما في البدن بالطبع .
( 10 ) قالوا : ولذلك تغلب على أعضائه كلها حمرة الدم ، العظام والعروق وغير ذلك ، فينتجون من ذلك أن الصبى أحر من الشباب . وكل ما كان قربه من حال الكون كان أحر ، لأن الكون إنما يكون بالحرارة والرطوبة .
والحجة الثانية : أنهم يقولون إن الصبيان نامون ، والنمو إنما يكون من قبل الحرارة والرطوبة .
والثالثة : أن هضمهم للطعام أقوى ، وشهواتهم أصدق . وذلك أن هضمهم فوق ما تحتاج إليه مقادير أبدانهم هو لموضع النمو ، والنمو نوع من الكون ، فلذلك كانت شهوتهم للطعام أكثر . وبالجملة ، لولا حرارة أبدانهم لما احتاجوا إلى طعام كثير بحسب مقادير أجسامهم .
( 11 ) وأما الذين يقولون إن المتناهين في الشباب أحر ، فلهم أيضا حجتان :
إحداهما أنهم يقولون إن الدم في الشباب هو أكثر ، ولذلك يصيبهم الرعاف كثيرا ، والمرة الصفراء فيهم أكثر ، وهي في غاية الحرارة . ومنهم أنهم يقولون إن الشباب هم أتم أفعالا من الصبيان ، والأفعال إنما تكون بالحرارة ، فحرارتهم أتم ، وبالجملة فإن
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل ) — صفحة 104
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٠٤