ثم ألهمت الزهد ، فسردت الصوم ، وتشاغلت بالتقلل من الطعام ، وألزمت نفسي الصبر ، فاستمرأت ، وشمّرت ، ولازمت وعالجت « 1 » السّهر ، ولم أقنع بفن من العلوم ، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث وأتبع الزهاد .
ثم قرأت اللغة ولم أترك أحدا ممن يروي ويعظ ، ولا غريبا يقدم إلا وأحضره ، وأتخير الفضائل .
وكنت إذا عرض لي أمران أقدم في أغلب الأحوال حق الحق ، فأحسن اللّه تدبيري وتربيتي ، وأجراني على ما هو الأصلح لي ، ودفع عني الأعداء والحسّاد ومن يكيدني ، وهيأ لي أسباب العلم ، وبعث إليّ الكتب من حيث لا أحتسب ، ورزقني الفهم ، وسرعة الحفظ ، والحظ وجودة التصنيف ، ولم يعوزني شيئا من الدنيا ، بل ساق إليّ من الرزق مقدار الكفاية وأزيد .
ووضع لي من القبول في قلوب الخلق فوق الحد ، وأوقع كلامي في نفوسهم فلا يرتابون بصحته ، وقد أسلم على يدي نحو من مائتين من أهل الذمة ، ولقد تاب في مجالسي أكثر من مائة ألف ، وقد قطعت أكثر من عشرين ألف سالف مما يتعاناه الجهّال .
ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث ، فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق ، وكنت أصبح وليس لي مأكل ، وأمسي وليس لي مأكل ، ما أذلني اللّه لمخلوق قط ، ولكنه ساق رزقي لصيانة عرضي ، ولو شرحت أحوالي لطال الشرح .
وها أنا قد ترى ما آلت حالي إليه ، وأنا أجمعه لك في كلمة واحدة وهي قوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 282 ] « 2 » .
وما ذكره المؤلف هنا يلخص لنا النشأة ، والشخصية ، والعلم ، وما فتح اللّه به على هذا العالم الكبير .
هامش
( 1 ) زاولت .
( 2 ) لفتة الكبد 502 وما بعدها .