قلت : فكيف سمحت نفسك بمفارقة هؤلاء الفضلاء وهم كانوا لك الغرض الأقصى ؟
فقال : واللّه يا سيدي ما صعدت إلى هذه البلد وقد بقي من القوم أحد .
قلت : ثم ما ذا ؟
قال :
ثم انقضت تلك السنون وأهلها * فكأنها وكأنهم أحلام
ويعز عليّ ما فعل الدهر بأولئك الأنجم الزهر فقد فقد واللّه العلم بفقدهم ومات الفضل بموتهم ، ولعلهم يا سيدي لو عاشوا إلى زماننا هذا لماتوا قبل اوانهم . قل الطالب وزهد الراغب ، وصارت الكتب تباع على العطارين للحوائج « 10 » ، وعلى الذهبيين للفاتج « 11 » ، وعلى الملاحين للمزاود « 12 » .
هذه واللّه صناعة دثرت وخمدت نارها وطفيت ، وصار المتعرض لها غرضه التكسب لا التطبب . وقد قيل إنه بالحكمة تطب الأبدان . وبالدراهم تمرض الحكماء . فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره .
ثم قال :
هامش
( 10 ) الحوائج : التوابل والابازير والأدوية العطارية .
( 11 ) السفاتج : بفردها سفتجة وهي الحوالة المالية التي يستسلم الشخص بموجبها ما يستحقه من مال من شخص آخر .
والذهبيون هم الذين يتعاملون بالمال كالصرافين وغيرهم .
( 12 ) المزاود : جمع مزود ، وهو ما يوضع فيه الزاد في حالة السفر ، إشارة إلى استعمال أوراق الكتب للف الطعام .