الفن الأول من الفنون السبعة كلام في الحميات يشتمل هذا الفن على مقالتين
المقالة الأولى منه في حمّى يوم
فصل في ماهية الحمَّى
فنقول الحُمَّى حرارة غريبة ، تشتعل في القلب وتنبت منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق في جميع البدن ، فنشتعل فيه اشتعالًا لا يضر بالأفعال الطبيعية ، لا كحرارة الغضب والتعب . إذا لم تبلغ أن تتشبث وتؤف بالفعل ، ومن الناس من قسّم الحُمّى إلى قسمين أوّلين : إلى حُمَّى مرض وإلى حُمَّى عرض ، وجعل حُمِّيات الأورام من جنس حمى العرض ، ومعنى قولهم هذا أن الحُمَّى المرضيّة ما ليس بينها وبين السبب الذي ليس بمرض واسطة كحمّى العفونة ، فإن العفونة سببها بلا واسطة ، وليست العفونة في نفسها مرضاً ، بل هو سبب مرض .
وأما حمَى الورم فإنه عارض للورم ، يكون مع كون الورم تابعاً له ، والورم مرض في نفسه ، ولمناقش أن يقول : أنه إن كانْ حُمَّى الورم يتبع حرارته ، ويلزم من وجعه فيشبه أن يكون حُمى عرض ، وحينئذ يشبه أن يكون كثيراً من حُمَّيات اليوم حميات عرض ، وإن كان يتبع العفونة التي في الورم ، فالورم ليس بسبب لها أولى من حيث هو ورم ، بل من حيث العفونة التي فيه فسببها الذي بالذات هو العفونة ، والورم ليس بسبب لها إلا بالعرض ، وتقول : إن لم يعن بحُمى عرض هذا ، بل عنى أنها تابعة للورم ، وجودها بوجود الورم . فكذلك حال حُمِّيات العفونة بالقياس إلى العفونة ، لكن الاشتغال بأمثال هذه المناقشات مما لا يجدي في علم الطب شيئاً ، ويجعل الطبيب متخطياً من صناعته إلى مباحث ربما شغلته عن صناعته ، فلنجر على ما اعتيد من ذلك فنقول : لتكن حميات الأورام والسدد حمّيات العرض ، ولنقل أنه لما كان جميع ما في بدن الإنسان ثلاثة أجناس ، أعضاء حاوية لما فيه من الرطوبات ، والأرواح قياسها قياس حيطان الحمام ، ورطوبات محوّية وقياسها قياس مياه الحمام ، وأرواح نفسانية وحيوانية وطبيعية ، وأبخرة مبثوثة وقياسها قياس هواء الحمام ، فالمشتعل بالحرارة الغريبة اشتعالًا أولياً ، وهو الذي إذا طفئ هو برد ما يجاوره ، وإذا برد ما يجاوره لم يجب أن يطفأ هو ، بل يمكن أن يبقى وأن يعود