فصل في الحمّى البلغمية
قد علمت أن حمى عفونة البلغم قد تكون نائبة ، وقد تكون لازمة ، وقد علمت السبب في ذلك . ولها أوقات كسائر الحمّيات ، وأقل أوقات ابتدائها في الأكثر ثمانية عشر يوماً ، وإقلاعها في الأكثر ما بين أربعين وستين يوماً ، وأسلمها النقية الفترات ، ولا سيما الكثيرة العرق ، فتدل على رقّة المادة ، وقلتها وتخلخل البدن ، وأطول أزمان هذه العلة الصعود على أنَ انحطاطها أيضاً أطول من انحطاط الغبّ بكثير ، والبلغم العفن قد يكون زجاجياً ، وقد يكون حامضاً ، وقد يكون حلواً ، وقد يكون مالحاً ، وقد علمت كيف تكون من المالح محرقة ، وأكثر ما تعرض حمى البلغم للمرطوبين ، والمتدعين والمشايخ ، والصبيان وأصحاب التخم والمرتاضين ، والمستحمين على الامتلاء ، وأصحاب الجشاء الحامض ، وأصحاب امتلاءات صارت نوازل إلى المعدة تعفن فيها ، وقلّما تخلو عن ألم في المعدة ، واعلم أن كل حمّى معها برد ، فإنه يضيق النبض ويصغره .
علامات البلغمية الدائرة وهي التي تسمى أمغيميربنوس أما ما كان السبب فيه بلغماً زجاجياً ، أو حامضاً ، فإن البرد يكثر فيه جداً ، والنافض في الزجاجي أشد . لكن البرد لا يبتدئ فيها دفعةً ، بل قليلًا قليلًا في الأطراف ، ثم يبلغ إلى أن يصير كالثلج لا يسخن إلا بعسر ، ولا يسخن دفعة ولا على تدريج متصل ، بل قليلًا قليلًا مع عود من البرد ، وربما خالط برده في الابتداء قشعريرة ، فيكون البرد لما لم يعفن ، وللقشعريرة لما قد عفن ، وأعظم برده ونافضه في أدوار المنتهى .
وهذه الحمى ليست من مادة تفعل نخساً حتى تكون سبباً للنافض من طريق النفض ، فإن عفونتها عفونة شيء لين ، وتأخذ مع ثقل وسبات ، وكثيراً ما تبتدىء في النوائب الأولى بلا برد ولا نافض ، بل تتأخر إلى مدة ، وربما كان برد ، ولم يكن نافض ، وكثيراً ما تبتدىء بغشي ، وقد لا يكون .
وهذه العلة يكثر فيها الغشي لضعف فم المعدة ، وسقوط الشهوة ، وعدم الاستمراء الذي هو مفن لمادة الغذاء والقوة . وأما ما كان من بلغم مالح فيتقدّمه إقشعرار ولا يشتدّ برده ، وأما ما كان من بلغم حلواً فقلما يتقدمه في الأوائل إلى كثير من النوائب قشعريرة ، ولا برد ، ولا نافض ، وأكثر أدوار الحمّى البلغمية تأخذ بالغشي ، وقد يظهر فيها في الأوائل حر أشد ، وفي الأواخر يقل ذلك ، ويشبه أن يكون السبب في ذلك أن العفونة تسبق أولَ إلى الأحلى والأملح والأرق ، ثم إلى الأغلظ والأبرد ، ومس الحرارة فيها في الأول ضعيف بخارى ، ثم إذا أطلت وضع اليد على العضو أحسست بحدة وحرافة ، إلا أنها لا تكون متشابهة مستوية في جميع ما تقع عليه اليد ، بل تكون متفاوتة تحد في موضع حرافة وفي موضع ليناً ، وكأن الحرارة تتصفى خلف شيء مغربل لأن البلغم لزج يختلف انفعاله وترقّقه عن الحرارة كما يعرض لسائر اللزوجات عند