أن يثخن الرقيق قليلًا ، ويرقّق الثخين قليلًا ، ويقطع اللزج .
ولو أن هذا الرجل لم يسمع في كلام المتقدمين في النضج شيئاً من قبيل ما قلناه وتأمل حال نضج الأخلاط المنفوثة أن الرقيت ! منها يحتاج أن يخثر ، والخاثر يحتاج أن يرقّق لكان يجب أن يهتدي منه ولِمَ ليس يتأمل في نفسه فيقول ما بال القوارير في الحمّيات الحادة لا تكون في ابتدائها ذات رسوب ، ثم تصير ذات رسوب ، وهل الراسب المحمود شيء غير الخلط الفاعل للمرض ، وقد نضج فلم ليس يندفع في أوائل الأمر أن كانت الرقّة هي الغاية المقصودة في النضج ، فمن الواجب أن يكون في أوائل حميات الدم والصفراء رسوب محمود .
فإن كانت الطبيعة لا يمكنها دفع ذلك الفضل إلا بعد وقت يصير فيه مستعداً للدفع في البول ، فكذلك الصناعة يجب أن يعلم أن استفراغها للخلط قبل مثل ذلك الوقت الذي يظهر فيه النضج في القارورة ، ممتنع أو متعسر مستصعب وربما حرك ولم يفعل بلاغاً وربما خلط الخبيث بالطيب ، وكان الأولى بهذا الإنسان ، أن يحسن الظن بمثل " جالينوس " و " أبقراط " في رسمه من هذا ، أو يتأمل فضل تأمل ، ثم يرجع إلى المناقضة فإن مناقض الأولين وهو على الحق معذور ، ولكن الأولى به أن ينعم النظر أولًا .
وأظن أن هذا الرجل اتفقت له تجارب أنجحت في هذا الباب ، فركن إليها وأمثال هذه التجارب التي ليست على القوانين قد يتفق لها أن لا تنجح ، ولا واحد ويتفق لها أن لا تتحقق ، ولا واحد فهذا هو الواجب ، فأما إن كانت المادة كثيرة متحركة منتقلة من عضو إلى عضو ، وظننت أنه لا مهلة إلى نضجها ، أو ربفا حدثت منها أورام سرسامية وغير ذلك ، ولو تركت أوقعت في خطر قبل الزمان الذي يتوقع فيه نضجها . وذلك أطول من الزمان الذي يتوقع فيه نضج المعتدل لا محالة ، فلا بد من استفراغها فإن الخطر في ذلك أقل من الخطر فيها .
ومع ذلك فإن الطبيعة تكون متحركة إلى دفعها لكثرة أذاها ، فإذا أعينت وافقها الإعانة فلا بد منه ، واعلم أن الفصد ليس من قبيل ما ينتظر فيه النضج انتظاره في المسهلات ، وإنما ينتظر النضج في الأخلاط الأخرى ، وإذا تأخر الفصد عن ابتداء العلة ، فلا تفصد في انتهائها إذ لا معنى له ، وربما أهلك بموافاته ضعيف القوة ، وكذلك إن خفت غلبة من الخلط وأوجب الاحتياط الاستفراغ ، وإن لم يكن نضج فلا تحرك إلا في الابتداء . وأما عند الانتهاء ، فلا تحرك شيئاً حتى يغلب الطبيعة وينضج ، فإن لم تتحرك هي حركت أنت وفق تحريكها ، وإن كانت هي تتحرك أو تحركت فدعها وفعلها وهذا هو الذي يسميه " أبقراط " هائجاً حين قال ينبغي أن يستعمل الدواء المسهل بعد أن ينضج المرض ، فأما في أول المرض ، فلا ينبغي أن يستعمل ذلك إلا أن يكون المرض مهتاجاً وليس يكاد يكون في أكثر الأمر مهتاجاً .
ومثل هذا الاستفراغ الضروري الذي ليس في وقته مثل : التغذية الضرورية التي ليس في
القانون في الطب ( طبع بيروت ) — صفحة 38
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٨