ومما جربه من تقدَمَنا وجُرب في زماننا شراب الزاج الأحمر البلخي وزن درهم ، فإنه ينثر الشيب ، وينبت بدله شعر أسود لكنه إنما يحتمله القوي البدن المرطوب ، ويجب أن يستعمل بعده ما ينقي الرئة ويرطبها .
فصل في ذكر الخضابات
إنه قد يوجد في الكتب أدهان يظن أنها خضابات ، والتجربة تخرج أن قوي العقاقير الخاصة ، إذا علاها الدهانة حال بينها وبين الشعور فلم تنفذ فيها ، ولم تعمل شيئاً إلا أن تكون هناك قوة شديدة أو خاصية عظيمة ، فلا تتوقع القوة الشديدة إلا من أشياء قوية الصبغ مثل صدأ الحديد ، ومثل صدأ الأسْرُب ، ومثل مائية قشور الجوز ، فلعل هذه وأمثالها إذا كررت قواها في الأدهان ، ووسطت قوي الأدوية المبذرقة كالخل والخمر أمكن أن يكون شيء ، وهو ذا أرى وأسمع قوماً يشهدون بصحة ما يقال من أن عرقاً من عروق الجوز إذا قطع في أول الربيع ، وألقم قارورة فيها دهن ، ودفنا معاً في الأرض نشف ما في القارورة رشفاً ومصاً ، ثم يرسلها في الخريف إرسالًا فيعود كثير منها إلى القارورة ، ويكون خضاباً .
وأكثر ما ينفع من هذا الباب ، ويؤثر فإنما يكون ذلك منه بالتكرير . ثم إن أصناف الصبغ الذي يصبغ به الشعر ثلاثة مُسَوِّد ومُشَقِّر ومُبيض ، ونحن نبدأ بذكر عدة من المُسَودات الجيدة .
فصل في المُسَودات
أما الحِنَاء والوسمة فهو الأصل الذي أجمع عليه الناس ، ويختلف أثرهما بحسب اختلاف استعدادات الشعور ، والناس يتداوون الحناء ، ثم يردفونه بالوسمة بعد غسل الحناء ، ويصبرون على كل واحد منهما صبراً له قدر ، وكلَّ ما صبر أكثر فهو أجود . ومن الناس من يجمع بينهما ، ومن الناس من يقتصر على الحناء ، ويرضي بتشقيره ، ومنهم من يقتصر على الوسمة ويرضى بتطويسها والوسمة الهندية الجيدة أسرع خضاباً لكنها أشد تطويساً ، وشقرة والوسمة الكرمانية أقل خضباً وأبطأ ، لكن صبغها إلى سواد شعري لا كثير تطويس فيه . ومن أحب أنْ يردّ صبغ الوسمة إلى لون الشعر ، ويبطل شقرته ونصوعه استعمل عليها الحناء كرة أخرى ، وإن كان استعمله قبلها فإنه يبطل التطويس ، ويرده إلى لون شعري ، والأولى أن لا تطيل الباثه بل تبادر إلى غسله أعني الحناء الذي بعد الخضاب الأول ، ومن الناس من يجمعهما بماء السماق ، وبماء الرمان أو بماء الرائب أو يركّب معهما المصل وماء قشور الجوز ، وجميع ذلك معين . ومنهم من يجعهما بماء ربّي فيه المرداسنج والنورة طبخاً ، أو تشميساً حتى تسود الصوفة ، وهذا أيضاً جيد ، وإذا جعل في الخضاب وزن درهم قرنفل سَود جداً ومنع غائلته عن الدماغ . وأما الخضاب الآخر الذي يستعمل كثيراً ولكن دون استعمال الأول ، فهو أن يؤخذ العفص ويمسح