فإن أدى ذلك إلى عفونة توجبها السدّة ، وعدم التنفس ، انتقل إلى حمّيات العفونة ، ومثل هذه السلّة إما أن يكون من كثرة الأخلاط والدم ، وإما من غلظها ، وإما من لزوجتها ، وإما لوقوع شيء من أسباب السدّة في الآلة لا في المجرى مثل : برد يقبض ، أو ورم يضغط ، أو نبات شيء ، أو غير ذلك مما عليك أن تتذكّره .
وهذه الحمّى من بين حمّيات اليوم ، قلّما تنتقل إلى الدِّق ، لأن البدن فيها كثير المادة ، وهذه الحمى أيضاً يكون فيها عطش ، والتهاب ، ولزوم حرارة ، وقارورة متوسطة بين الناريّة والقُتمة ، وهذه الحمّى صعبة التفرق قريبة الشبه من حميات الأخلاط ، وهذه الحمى قد تبقى إلى الثالث ، فما بعده إن كانت السدة كثيرة قوية ، وليست بتكاثفية واستحصافية من خارج ، وإن كانت قليلة ، أسرع إقلاعها إن لم يقع خطأ ، وهذه الحمّى من بين حميات اليوم قد تتعرض وتعاود لثبات السدّة التي هي العلة ، فيكون كأن لها نوائب ، وهذه الحمّى كثيراً ما تنتقل إلى البرد ، والاقشعرار ، فيدلّ على أنها قد صارت عفونية ، والسدية إذا أحدثت وجعاً بعد الفصد في جانب البدن الأيسر ، لم يكن بدّ من إعادة الفصد لا سيما إذا سكنت الحمى ودام الوجع .
العلامات إذا عرض حمّى يوم لا عن سبب بادٍ ، وكانت طويلة الانحطاط ، فأحدس أنها سدديّة وخصوصاً إذا انحطت بلا استفراغ نداوة ، ويؤكد حدسك علامات الامتلاء . وفي الأبدان الكثيرة الدم والمولّدة له ، أو غليظة الأخلاط لزجتها ، ويفرق بينها أما إن كانت السدد فيه بسبب غلظ الأخلاط ولزوجتها ، دلت عليه العلامات المعلومة لهما ، ولم يكن هناك انتفاخ من البدن ، وتمدد وحمرة ، وبالجملة علامات الكثرة ، وما كان السبب فيه الامتلاء كانت علامات الامتلاء من حمرة الوجه ، ودرور العروق ، والانتفاخ ، والتمدد وغير ذلك ظاهرة في البدن ، وإن أفرطت السدد كان النبض صغيراً ، وإن لم يفرط لم يجب أن يصغر النبض .
العلاج إن كان السبب كثرة الأخلاط والامتلاء ، فيجب أن تبادر إلى الفصد والاستفراغ ، وإن لم يفصد ولم يحم بعد فهو خير ، وإذا حم فالتوقف أوفق إلا أن تكون ضرورة ، فإن الفصد قد يجري الأخلاط ، ويخلط بينها فإن لم يكن بد فلا يجب أن تؤخر الفصد والاستفراغ ، ثم يشتغل بما يفتح السدد وينقي المجاري ، ولا تبادر قبل الاستفراغ إلى التفتيح وتنقية المجاري فإن ذلك ربما صار سبباً لانجذاب الأخلاط دفعة إلى بعض المجاري واللجوج . فيها ، وذلك مما فيه أخطار كثيرة وربما زادت في السدد إن كانت غليظة ، وخاصة إن كانت المنافذ في خلقتها ضيقة .
على أنَ الفصد أيضاً والاستفراغ قد يُخرج الفضول الدخانية الفاعلة ، وباحتقانها هذه الحمّى وتمنع أن ينتقل إلى العفونة ، وخصوصاً إذا بالغت وقاربت الغشي .
القانون في الطب ( طبع بيروت ) — صفحة 22
مساهمون: أبو علي سينا
ص٢٢