ومنها ما يشارك به الملائكة مثل استفادة العلوم ، وتوخّى الخيرات ، وسائر الأفعال الّتى يختصّ بالعقل ويحتاج إلى التّمييز والفكر .
فامّا تلك الأفعال البهيميّة ، فمن الظّاهر انّ الإنسان لا ينال بها رتبة ولا يرتفع بها عن طبقة البهيمة .
وأمّا الأفعال العقليّة ، فهي ضربان : أحدهما يمكن وقوعه من كلّ إنسان سليم الفطرة ، ولا يحتاج فيه إلى مزاولة وممارسة ، مثل أن يخيط خرقته ، أو يشدّ الرّفادة على جراحته . وهذا أيضا ليست فيه مزيّة ، لأنّ ذوى العقول فيه متشاكلون وله متداولون .
والضّرب الآخر ما لا يقع إلّا بعد ممارسة وتعلّم ومعالجة وتفقّد ، وهذا أيضا ضربان :
أحدهما نافع لسكّان المدن وعائد بنوع من أنواع الخير .
والقدرة على هذا تخصّ باسم الصّناعة والكتابة والصّياغة .
والضّرب الثّانى ما لا نفع في ضمنه ، ولا خير من ثمراته ، مثل أن يتمهّر الإنسان في صعود الخشب الطّوال ، وابتلاع الأحجار ، والمشي على قراميد السّطوح .
فما يجرى هذا المجرى لا يجب أن يسمّى صناعة ، ولا أن يظنّ به شرف ورتبة ، إذا كان لا يحوى نفعا ، بل خليق بأن يورث ضررا ، ويصير على متعاطيه وبالا .
مفتاح الطب ومنهاج الطلاب — صفحة 3
مساهمون: علي بن الحسين بن هندو
ص٣