الاستقسّات متساوية في جميع الأجسام لكان الموجود شيئاً واحداً وطبيعته طبيعة واحدة ، ومع اختلاف مقاديرها « 1 » في الامتزاج يكون كلّ واحد من الأجسام وليس يمكن أن يكون منها « 2 » معتدلة بقياس بعضها إلى بعض متساوية في قواها غير زائدة - أعني غير مفرطة - كالّذي قال أبقراط : في كتابه في طبيعة الإنسان ، وهو قوله « فإن لم يكن الحار عند البارد ، واليابس عند الرطب معتدلة بعضها بقياس بعض متساوية بعضها لبعض لكن كان « 3 » الواحد منها يفضل على الآخر فضلًا كثيراً « 4 » والواحد أقوى والآخر أضعف ، ولم يحدث الكون » .
وانّما أراد بذلك انه متى كان الحار مفرطاً لم يتم به كون إحراقه المادة ، ومتى كان البارد مفرطاً لم يتم به كون لتجميده المادة ، وإن كان الربط أزيد وأكثر سالت « 5 » المادة ولم يثبت ، وإن كان اليابس كذلك جفف المادة وهذا لم يمكن « 6 » تمددها . فنعم ما قال أبقراط في هذا الفصل .
وقال : أيضاً في هذا الكتاب « انه ليس يمكن أن يحدث الكون عن أشياء كثيرة مختلفة الألوان إلا أن تكون متفقة في الجنس وقوتها جميعها قوة واحدة ؛ يعني : أن يكون جوهر كلّ واحد منها ملائماً لصاحبه ، كالّذي نجده يكون من اختلاف أصناف الحيوان المتقاربة في جنس « 7 » بمنزلة نتاج الحمار والفرس ونتاج الكلاب والثعالب « 8 » ، فإنّها قريبة من طبعها بعضها من بعض » .
فهذا ما كان ينبغي لنا أن نذكره من أمور الاستقسّات في أحوالها وحدوث جميع ما دون فلك القمر من الأجسام عنها . وفيما « 9 » ذكرنا من ذلك كفاية بمقدار غرض كتابنا هذا والله اعلم بالصواب .
هامش
( 1 ) في نسخة م : مقادير هذه الأجسام في الامتزاج لكون كل واحد .
( 2 ) في نسخة م : كون الأبدان أن تكون معتدلة .
( 3 ) في نسخة م : بعض متساويا بعضها ببعض لكان الواحد .
( 4 ) في نسخة م : حتى يكون الواحد .
( 5 ) في نسخة م : سيل .
( 6 ) في نسخة م : ولم يكون الواحد .
( 7 ) في نسخة م : الزاج .
( 8 ) في نسخة م : الكلب والثعلب .
( 9 ) في نسخة م : وفي .