الفساد ، ففعلوا ذلك ، فصحّ لأجل ذلك هواء تلك المدينة ، وتنسّم أهلها منه ما لا ضرر في تنسّمه على أجسادهم وسلموا من الموتان فلم يهلك منهم في ذلك الوباء إلا اليسير ممن استوفى مدّته / وفني أجله ، فكان في معنى فعله هذا « 1 » الذي فعله - مع ما اكتسبه من ثواب سلامة أبناء جنسه وأهل داره وقراره - إشارة إلى من يحدث بعد من أهل صناعته في كل زمان ، ومثال نصبه لهم لو عقلوه ، وقدوة لو اقتدوا به ، لكنهم إلى وقتنا هذا مغفلون لهذا التدبير ، عاندون عن هذا السّنن .
ومما يشهد بصواب رأي هذا الحكيم ويقضي له بالفضل مما أتاه من إيقاده النيران حول مدينته وإلقائه عليها الصموغ الطيبة الروائح ، ما ذكره بولس « 2 » وأخذه عنه يعقوب بن إسحاق الكنديّ « 3 » فضمّنه أقرباذنيه من ذكر الأقفاء التي كانت القدماء من الحنفا ، يتخذونها على أسماء الكواكب السّيارة لإصلاح الهواء الفاسد وتحليل فضوله ، وسأذكرها في موضع ذكرها من هذا الكتاب ، إن شاء اللّه .
وقد جعلت كتابي هذا يشتمل على عشر مقالات :
المقالة الأولى :
تتضمن أربعة أبواب :
الباب الأول : في كلام أبقراط على ما توجبه تغيرات فصول السنة من
هامش
( 1 ) خ : هذا مكررة .
( 2 ) بولس : حكيم يوناني طبيعي قديم العهد ، مشهور الذكر ، وهو قبل أرسطاطاليس ، وقد نقل الأطباء أقواله في كتبهم .
( 3 ) يعقوب بن إسحاق الكندي : نشأ في البصرة ، وانتقل إلى بغداد ، اشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة والفلك ، ألف وترجم وشرح كتبا كثيرة يزيد عددها على ثلاثمائة كتاب ، اضطهد أيام المتوكل العباسي ، وأصاب عند المأمون والمعتصم منزلة كبيرة ، توفي حوالي 260 ه / 873 م .