الموجب لذلك الفساد أبخرة حارة يابسة محترقة محرقة تجتذبها الشمس بشدة حرها من بطن الأرض عند استفراغها جذب الرطوبات الماسة المستكنة في الثرى ، وهذا الفساد فهو ضد للفساد الحادث بمصر عند تكامل زيادة نيلها ، وما يعرض لأهلها في مدة شهري هتور وكيهك « 1 » من الأعلال الدموية والرطوبية الممازجة للمرة الصفراء ، وذلك لما يتصاعد إلى الجو من أبخرة المياه الجارية والراكدة حولها وحول كثير من المدن المجاورة للأنهار ومناقع المياه في أوقات المدود ؛ لأن ذلك الفساد يولده تصاعد الأبخرة الرطبة المتصعدة عن المياه الكدرة المغلظة للجو ، وذلك الفساد وإن كان محدثا لكثير من الطواعين والورشكين والأعلال الدموية والرطوبية المركبة مع حرارة المرة الصفراء ويبسها فإنه - وإن كان مخوفا شديد الضرر - فإنه متلف لنفوس الحيوان في ساعة واحدة ، كالذي يفعله تصاعد البخار الناري المحترق الأسود الكدر المظلم المتصاعد من بطن الأرض في شدة حر القيظ .
والسبب الموجب له قلة قوة ما تجتذبه الشمس بما تعكسه من حرارة وهج الأثير إلى وجه الأرض في احتدام القيظ من الأبخرة الأرضية وبخاصّ في البراري والمفاوز المتنائية عن المياه ، كمدن الحجاز واليمن وما جاور الإقليم الأول والثاني من البراري والسبل المسلوكة فيها ، كالذي يعرض في أكثر الأوقات / للحاج في طريق مكة وأرض الحجاز من الفساد الحادث في الهواء ، وهو الذي
هامش
( 1 ) هتور وكيهك : هما اسمان لشهرين قبطيين يتغيران بالنسبة للشهور الميلادية وفي عام 370 ه ( سنة تأليف المخطوط تقريبا ) كانا يوافقان تشرين الثاني وكانون الأول .