وكذلك صفات اللّه تعالى عنده لا تقبل الحد ولا الحصر ، وهذا موافق لاعتقاد أهل السنة ، إلا أنه وجد نفسه مضطرّا لإنكار حديث الأسماء من أجل إثبات تلك العقيدة ، في حين لم يجد أهل السنة مبررا لإنكار رواية ثابتة ، وإنما حملوا تلك الرواية على محامل أخرى ، كقولهم : لعل هذه الأسماء أعظم وأجلّ من غيرها ، وغير ذلك « 1 » . . .
وسوف نعرض لتحليل عدد من نصوص البلخي في كتابه « مصالح الأبدان والأنفس » ، بما يشير إلى عمق الإيمان بالله - تعالى - واعتماده في ذلك على ما يشبه الأسلوب القرآني في الإشارة إلى نظام العالم المحكم ، كما يشير إلى اعتقاده بحكمة اللّه - عز وجل - وبعقيدة القضاء والقدر المتضمنة إثبات العلم والإرادة والقدرة لله تعالى .
وهكذا يقرر البلخي أن كل شيء في هذا العالم له وظيفته التي تشهد بدقة الصنع الإلهي وحكمته ، وأن اللّه لا يحب الفساد « 2 » .
ونشير - أخيرا - إلى أن الإيمان العميق عنده كان يظهر في ذكره لله - عز وجل - في كل مناسبة عند افتتاح كتبه واختتامها ، وفي معرض كل حديث .
ومثال ذلك افتتاح كتبه بحمد اللّه والثناء عليه بما يناسب المقام ، كما في قوله في أول كتاب « صور الأقاليم » : « لحمد لله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام من غير عجز . . » « 3 » .
ومثاله أيضا ما سيمرّ بنا في مقدمة كتابه « مصالح الأبدان والأنفس » .
وكان البلخي يسند الفعل إلى الطبيعة إسنادا مجازيّا في بعض الأحيان كقوله :
« والطبيعة قد قسمت البيض إلى قسمين من البياض والصفرة » ( 1 / 5 / 4 ) ؛
هامش
( 1 ) انظر مناقشة الرازي للمسألة في شرح أسماء اللّه الحسنى 78 .
( 2 ) انظر التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 2 / 38 ، 39 .
( 3 ) حاجي خليفة ، كشف الظنون 1084 .