الباب السابع في تدبير دفع الحزن والجزع
2 / 7 / 1 : إنّ موقع الحزن والجزع في الأعراض النفسانيّة موقع جليل ، عظيم الشأن فيما يرجع من ضررهما على الإنسان إذا تمكّنا من قلبه ، وذلك بيّن بما يشاهد من حال الجزوع وتغيّره إلى أوحش صورة ، وإحداثه على نفسه أحداثا كثيرة ، إذا أعجزه الصبر ، واستولى عليه الجزع .
وقد قلنا : إنّ / الجزع هو فرط الحزن وشدّته ؛ فالجزع بمنزلة النار الملتهبة ، والحزن هو كالجمر الباقي بعد سكون اللّهب ، وهو أعمل شيء في نهك البدن ، وتغيير قوى الشهوات من النفس ، وإذهاب بهائها ونشاطها . وكأنّ نفس الإنسان التي هي نور بدنه وضياؤه في حال استشعار الغمّ والحزن شمس قد كسفت ، وذهب نورها ، وبطل إشراقها . وفي جملة القول : إنّه يفعل ضدّ ما تفعله المسرّة ؛ فإنّا نرى وجه المسرور ضاحكا مستبشرا بهيّا مسفرا ، ونرى وجه المحزون على خلاف ذلك .
2 / 7 / 2 : والحزن إنّما يعرض لفوت محبوب ، كما أنّ الخوف يعرض من توقّع مكروه ، فالحزن متولّد من مكروه ماض ، والخوف متولّد من مكروه مستقبل ، وهما أقوى الأعراض النفسانيّة ، فإذا اجتمعا على الإنسان لم يبقيا له لذة حياة ، ولا طيب عيش ، وإذا زالا عنه سعد بطيب عيشه ، وفاز بلذّة حياته ، ولا يجوز أن يزولا عنه / في الجملة وبكلّ وجه وهو في هذه الدنيا ؛ لأنّها دار لا تخلو من الأحزان والمخاوف ، وإنّما ارتفاعها من شرائط نعيم الآخرة ودار الثواب التي وصف اللّه - تعالى - أهلها بأنّهم « 1 » :
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 2 » ، فأدرج في
هامش
( 1 ) في أ ، ب : بأنها . والصواب ما أثبت .
( 2 ) يونس ، الآية 62 .