ومنها أن يفكّر أنّ استشعار الخوف الشديد إنّما هو فعل الغرّ من الناس الذي لا يعرف الأشياء بحقائقها ، ولم يستحكم منه تجارب البصر بوقوعه على المناظر الفظيعة ، ولا تجارب السمع في كثرة سماعه للأشياء التي يروعه « 1 » وقوعها في سمعه ، وأنّه متى اتّسعت معرفته ، وكثرت تجاربه ، قلّل ذلك من خوفه للأشياء التي يخافها الغرّ الطفل ، ونفاره عنها . وذلك أمر موجود بالاعتبار في الناس وكثير من الحيوان ؛ فإنّا نجد الصبيّ الغرير « 2 » الصغير الذي لم تستحكم « 3 » منه قوّة التمييز يفزع بأشياء من الألوان / والأصوات وغيرهما ، حقّها ألا يخاف « 4 » منها ، فيخاف ويرتاع لها ، فيعلم أنّ ذلك لجهله بتلك الأشياء ، وأنّها غير ضارّة ، وأنه لو عرفها « 5 » حقّ معرفتها ، لكان موقعها في ترك الاكتراث لها موقعها من البالغ الكبير الذي يعرفها ، فلا يكترث لها .
ونجد الكبار من الناس الذين لم تقع أبصارهم على الحروب والقتلى والجرحى متى نظروا في بدء أمرهم إلى شيء منها هالهم ذلك هولا شديدا ، وأفزعهم إفزاعا قويّا ، وإذا طالت ممارستهم للحروب وصاروا من أهلها ، قلّ ارتياعهم بعد ذلك للنظر إلى شيء منها ، ولم يكد يؤثّر فيهم . ومن أجل ذلك كان ما جرت العادة به في الذين يرشّحون لصناعة الحروب من أبناء الملوك وغيرهم ، بأن يخرجوا وهم أطفال إلى معارك الحروب ؛ لتقع أبصارهم من أوّل الأمر على القتلى والجرحى ، وينشّئوا على تلك العادة ، فلا يروعهم بعد ذلك النظر / إلى شيء منها .
ومن هذا النوع أمر الأطبّاء الذين يباشرون أثر القروح والجراحات والبطّ
هامش
( 1 ) في أ : تروعه .
( 2 ) الغرير : الشاب لا تجربة له ( القاموس المحيط غ ر ر 1 / 628 ) .
( 3 ) في أ : يستحكم .
( 4 ) في ب : يرتاع .
( 5 ) في أ ، ب : لوقوعها . والصواب ما أثبت .