ولذلك ينال الماشي من التعب ما لا ينال الراكب إلّا بعد مدّة تطول .
ولفضيلة حركة المشي كان كثير من الحكماء الذين كانوا يرجعون إلى ثروة ونعمة وحسن ملك « 1 » يحملون أنفسهم عليه « 2 » ، ويختارونه على الركوب ، وإن كانوا في سعة من المراكب ، التماسا / للمنفعة الموجودة فيه ، حتى لزم طائفة من جبلّتهم تعب المشي فسمّوا : مشّائين .
على أنّ الركوب وإن كانت منفعته متخلّفة عن منفعة المشي ، فإنّه يعدّ - بالقياس إلى السكون - عظيم النفع ، جليل العائدة في باب حفظ الصحّة .
والحركة التي للركوب قد يجوز أن تقوى حتى تقارب في النفع حركة المشي ؛ وذلك بأن يحتال لتحريك البدن على الدابّة حتى ينال عامّة أجزاء البدن حظّ من الحركة التي تكون للإنسان بذاته ، لا بالمركوب الذي يحرّكه ، وذلك مثل الحركة التي تستعملها الفرسان في لعب الصوالجة « 3 » ، فإنّها أقوى الحركات التي يستعملها الراكب ؛ ليستكثر « 4 » الانعطاف والتثنّي والتمايل وتحريك البدن بهيئات مختلفة .
ومن أجل ذلك اختار هذه الحركة أصحاب الرياضة ، وكان يستعملها قوم من حكماء الملوك لهذا السبب ، لا لما يتعاطاه القاصدون للّعب في الاشتغال به .
وقد كان كثير / من الملوك وأهل النعمة الذين لم يجر لهم عادة بالمشي في الأسواق لعلوّ رتبتهم عن ذلك يرون ألّا يفوتهم حظّهم من الانتفاع بحركة المشي ، فيستعملونه بالتردّد في صحون القصور وعرصات « 5 » الدّور ، والتطواف
هامش
( 1 ) في أ ، ب : ملوك . والصواب ما أثبت .
( 2 ) أي : على المشي .
( 3 ) الصوالجة : ج مفرده الصولج ، وهو عصا معقوف طرفها ، يضرب بها الفارس الكرة ( المعجم الوسيط ص ول ج 1 / 519 ) .
( 4 ) في أ ، ب : ليستكثره . والصواب ما أثبت .
( 5 ) العرصة : كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء ، ج عراص وعرصات وأعراص ( القاموس المحيط ع ر ص 1 / 846 ) .