فأما قبل الطعام فإنه يفش فضول الهضم الثالث عن الأعضاء ، والرياح عن المعدة والأمعاء ، ويهيء البدن للاغتذاء .
المراقد والمساكن
وأما المراقد والمساكن فإنها إذا كانت حارّة عملت بعض عمل الحمّام والحركة بعد الطعام ، ولم تجمع الحرارة الغريزية في قعر البدن ، لكن تنشرها ، فيبرد لذلك . وتمنع أيضا من الاستغراق في النوم ، فيكثر لذلك التقلب ويسوء به الهضم ، ويعطش به أيضا فضل إعطاش ، فيضطرّ إلى كثرة شرب الماء فتتضاعف البلية إن كان الماء مع ذلك حارّا .
وذلك كله سبب لسوء الهضم ورداءته ، ولذلك إن كان فيها عارض آخر مؤذ من نتن ريح أو جلة أو بعض ما يؤذي ويمنع من الاستغراق في النوم .
وليس ضرر المساكن الحارة قبل الطعام كضررها بعد الطعام . وعلى أنه ينبغي أن يكون المرقد والمسكن غير مؤذ البتة ، لا يعرق فيهما صاحبهما ولا يقشعرّ ، ويكون إلى البرد أميل منه إلى الحر ، وإلى الرطوبة أميل منه إلى اليبس .
كثرة اختلاف ألوان الطعام
وأما إذا اختلفت أيضا أصناف الطعام فكان فيه الغليظ جدا كلحم البقر ، واللطيف جدا كلحم الطيهوج ، والحار كالعسل ، والبارد كالرائب ، والبطيء الاستحالة كالسماقية والحصرمية ، والسريع الاستحالة كالاسفيذباجة الساذجة والمتهري من اللحم بالطبخ ، والمتين اليابس من المشوي القديد والبقول والفواكه المختلفة ، لم يكن الهضم أيضا صالحا ، لاختلاف أحوال هذه بسرعة الانفعال والانتقال عن القوة الهاضمة ، وبطئها ، واختلاف أخلاطها وكيموساتها .
وبالضد ، فإنه إذا كان الطعام من نوع واحد ، ولا سيّما إذا كان ذلك النوع موافقا لحالة الآكل ، كموافقة السكباجة البقرية لأصحاب المعد الحارة والمرارية ، والماء حمص واسفيذباجة بالفراخ والتوابل لأصحاب المعد الباردة الضعيفة الهضم ، كان الهضم جيدا موافقا .
طول وقت الأكل
وإن طال أيضا زمان الأكل ، كان الهضم مضطربا مختلفا ، ولا سيّما إذا طال جدا ،