أصول المذهب ؛ لأنّ الأحكام في الشريعة جميعها موقوفة على شهادة الشاهدين العدلين ، إلّا ما خرج بالدليل من حدّ الزنى واللواط والسحق . والأيدي تقطع بشهادة الشاهدين ، وتستباح الفروج ، وتعتق الرقاب ، وتقتل الأنفس ، وتستباح الأموال ، وغير ذلك ، ويحكم بالكفر والإيمان ، وهو مذهب سيّدنا المرتضى رضي اللّه عنه ذكره في جمل العلم والعمل « 1 » ، ومذهب شيخنا المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان رحمة اللّه ذكره في المقنعة « 2 » - وهي رأس تصنيفه في الفقه - وجميع أصحابنا إلّا من شذّ وقلّد كتابا يجده ، أو خبر واحد يعتمده ، وقد بيّنّا أنّه لا يجوز العمل بأخبار الآحاد ؛ لأنّها لا تثمر علما ولا عملا ، والعمل بها خلاف مذهب أهل البيت عليهم السّلام ، ومذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه اللّه أيضا في مسائل خلافه « 3 » . وفي جمله وعقوده ؛ لأنّه قال في الجمل والعقود : « وعلامة دخوله رؤية الهلال ، أو قيام البيّنة برؤيته » « 4 » . فأطلق كلامه وقال : « البيّنة » . والإطلاق يرجع إلى المعهود الشرعي ، والبيّنة في الشريعة المعهودة هي شهادة الشاهدين ، إلّا ما خرج بالدليل ، والكلام يرد ويحمل على الشامل العامّ ، دون النادر الشاذّ .
فأمّا قوله في مسائل خلافه - فمفصّل غير مجمل - قال :
مسألة : علامة شهر رمضان ووجوب صومه أحد شيئين : إمّا رؤية الهلال ، أو شهادة شاهدين - ثمّ قال : - دليلنا : الأخبار المتواترة عن النبيّ وعن الأئمّة ( صلوات الله عليهم ) ، ذكرناها في تهذيب الأحكام ، وبيّنّا القول فيما يعارضها من شواذّ الأخبار « 5 »
فجعل عمدة الدليل الأخبار المتواترة ، ولم يلتفت إلى أخبار الآحاد ، فدلّ على أنّ الأخبار بشهادة الشاهدين متواترة ، وليس هي بشهادة الخمسين كذلك ، وإنّما أورده في نهايته « 6 » إيرادا لا اعتقادا ، على ما اعتذرنا له من قبل ؛ لأنّ هذا الكتاب - أعني كتاب النهاية - أورد فيه ألفاظ الأحاديث المتواترة والآحاد . وإنّما هي رواية شاذّة ، ومن أخبار الآحاد الضعيفة عن يونس بن عبد الرحمن ، عن حبيب الجماعي . ويونس بن عبد الرحمن قد وردت أخبار عن
هامش
( 1 ) . جمل العلم والعمل ، ص 96 .
( 2 ) . المقنعة ، ص 297 .
( 3 ) . الخلاف ، ج 2 ، ص 172 ، المسألة 11 .
( 4 ) . الجمل والعقود ( ضمن الرسائل العشر ) ، ص 215 .
( 5 ) . الخلاف ، ج 2 ، ص 169 ، المسألة 8 .
( 6 ) . تقدّم آنفا .