وهذه الأخبار - كما ترى - ظاهرة الدلالة بل صريحة المقالة على وجوب الصوم والإفطار متى شاعت الرؤية بين الناس واشتهرت ، بحيث صاموا وأفطروا من غير نظر إلى أن يكون فيهم عدلان أم لا ؛ لأنّ الحكم فيها إنّما علّق على الكثرة والاتّفاق على ذلك .
قال الشيخ قدّس سرّه في التهذيب بعد نقل رواية عبد الحميد :
يريد عليه السّلام بذلك أنّ صومهم إنّما يكون بالرؤية ، فإذا لم يستفض الخبر عندهم برؤية الهلال لم يصوموا على ما جرت به العادة في بلاد الإسلام . « 1 » انتهى .
وهو مؤيّد لما قلناه ، وظاهر فيما ادّعيناه .
وممّا يمكن أن يستدلّ به في المقام - وإن لم يتنبّه له أحد من علمائنا الأعلام - صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال :
إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، وليس بالرأي ولا بالتظنّي ولكن بالرؤية ، والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد : هو ذا ، فينظر تسعة فلا يرونه ، إذا رآه واحد رآه عشرة وألف . « 2 »
فإنّ الظاهر أنّ المعنى فيها - والله سبحانه وأولياؤه أعلم - أنّه متى كان الهلال بحيث كلّ من نظر إليه رآه من غير علّة هناك مانعة من ضعف بصر أو غيم أو نحوهما - واشتهر وشاع ذلك على هذه الكيفيّة بحيث لم يقل قائل خال من العذر : إنّي نظرت إليه فلم أره - فإنّه يجب على سائر الناس ممّن لم ينظروا العمل بمقتضى ذلك مع حصول العلم بإخبار أولئك ؛ لأنّ مساق الخبر بالنسبة إلى من لم ينظر ، وهل يجب عليه العمل بمقتضى تلك الرؤية أم لا ؟ وإلّا فلا خلاف ولا إشكال في العمل بمقتضى الرؤية على الرائي نفسه .
وموثّقة عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله عليه السّلام قال :
صم للرؤية وأفطر للرؤية ، وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان فيقولان : رأينا ، إنّما الرؤية أن يقول القائل : رأيت فيقول القوم : صدق . « 3 »
ورواية أبي العبّاس عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : « الصوم للرؤية والفطر للرؤية ، وليس الرؤية
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 164 ، ذيل الحديث 461 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 156 ، ح 433 .
( 3 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 164 ، ح 464 .