كون الملاك الأساس هو عبارة عن محاربة الله ورسوله الموجب لتحقق حصّة خاصّة من الإفساد في الأرض .
والمتحصّل من هذا البيان : أنّا لم نستطع إثبات أنّ موضوع الحكم في الآية ( 33 ) من سورة المائدة هو السعي في الأرض فساداً . وعليه فما ذكرناه من الاحتمال البدوي - وهو كون كلا العنوانين معاً موضوعاً للحكم الشرعي وأنّ القدر المتيقّن من الموضوع هو الإفساد بالمحاربة - باقٍ على قوته ولا صارف عنه .
إن قلت : إنّ ثمّة نكتة تثبت أنّ الموضوع الحقيقي هو الفساد في الأرض ، وذكر المحاربة إنّما هو لأمر آخر ؛ وذلك لأنّ قبح الفساد في الأرض ثابت لدى جميع العقلاء ، لا أنّه ثابت لدى جماعة دون أخرى ، فقد حكى سبحانه عن فرعون قوله :
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ
« 1 » أو قول بلقيس :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
« 2 » فالآية ( 33 ) من سورة المائدة تريد أنّ تؤكد من خلال عنوان ( المفسد في الأرض ) أنّ الحكم الوارد في الآية إنّما هو حكم عقلائي ، أي : عقوبة عقلائية ، فإنّ العقلاء يدفعون الفساد ولو توقّف على القتل ، والآية الكريمة قد أمضت حكم العقلاء .
الجواب : نسلّم بقبح الفساد في الأرض لدى العقلاء ، وأنّ فاعل ذلك قد يستحق القتل عندهم في بعض الحالات . ولكن محاربة الله ورسوله ليست بأقلّ من هذا العنوان ، بل هي أشدّ قبحاً بعد افتراض الإيمان بالله والرّسول ، هذا
أوّلًا .
وثانياً : إنّ العقلاء لا يرون دائماً جواز قتل المفسد في الأرض ، وإنّما يرون لزوم الوقوف بوجه الفساد ومنعه ، فإذا أمكن منعه بدون قتل كان هو المتعيّن . وعليه فما ذكر لا يمكن اعتباره قرينة على أنّ الموضوع هو الإفساد في الأرض .
إن قلت : أنّه لمّا سلّمنا بأنّ الآية السابقة ( 32 المائدة ) تدلّ في نفسها على الحكم بقتل المفسد في الأرض مطلقاً فإنّها تصلح بذلك أن تكون قرينة على
هامش
( 1 ) - غافر : 26 .
( 2 ) - النمل : 34 .