السابقة التأريخية للمسألة فقهيّاً :
إنّ أوّل من تعرّض لهذه المسألة هو الشيخ المفيد في كتاب المقنعة حيث جاء فيه : « من ضرب إنساناً سوطاً أو أكثر من ذلك ظلماً كان عليه القصاص ؛ يضرب كما ضرب » « 1 » .
وقال الشيخ الطوسي من بعده : « من ضرب غيره ضرباً بالسوط أو الخشب أو العصا وجب أن يقتصّ منه بمثل ما ضرب » « 2 » .
ثمّ توقّف البحث في هذه المسألة بعد ذلك حتّى زمان العلامة الحلّي ( قدس سره ) ، حيث أثارها في القواعد وأفتى فيها خلافاً لما ذهب إليه الشيخ المفيد والطوسي فقال : « لا قصاص في الضرب الذي لا يجرح ، وإنّما يثبت فيه الجراح » « 3 » .
ولم يتعرّض من بعده للمسألة سوى شارحي القواعد : الفاضل الهندي في كشف اللّثام والعاملي في مفتاح الكرامة « 4 » ، حيث نقلا عبارةً عن يحيى ابن سعيد الحلّي ( المتوفّى 689 ه - ) يقول فيها : « ويقتصّ بالعصا ممّن ضرب بها » « 5 » . وقد فهم صاحب الجواهر هذه العبارة بشكل آخر ، حيث فسّرها بعدم انحصار آلة القتل في قصاص النفس بالسيف ( كما ذهب إلى ذلك جماعة من الفقهاء - كابن الجنيد - حيث يرون عدم انحصار آلة القتل بالسيف ) ، بل تجوز المشابهة في آلة القتل ، فإذا قتل شخص بضرب العصا جاز الاقتصاص بها من الجاني ، ثمّ ذكر عبارة ابن سعيد شاهداً على ذلك « 6 » .
إلا أنّ هذا التفسير إضافة إلى منافاته لظاهر العبارة - إذ لو كان المقصود ذلك لكانت العبارة : « يقتصّ بالعصا ممّن قتل بها » - فإنّه منافٍ أيضاً لما ذهب إليه في بحث قصاص النفس من انحصاره بضرب العنق - الذي يتحقّق بالسيف ونحوه - وعدم جواز القتل بغيره . قال في أوّل كتاب الجنايات : « وفاقاً لمشهور الإمامية : ( والقود بضرب العنق وإن كان القاتل قد قتل بغيره ) « 7 » .
هامش
( 1 ) - المقنعة : 761 .
( 2 ) - النهاية : 775 .
( 3 ) - قواعد الأحكام 642 : 3 .
( 4 ) - كشف اللثام 221 : 11 ، مفتاح الكرامة 185 : 10 ، حتّى أنّ بعض شرّاح القواعد - كفخر المحقّقين في « إيضاح الفوائد » والسيّد الأعرجي في « كنز الفوائد » لم يتعرّضوا بشيء لعبارة المتن في بحث القصاص .
( 5 ) - الجامع للشرائع : 599 .
( 6 ) - جواهر الكلام 297 : 42 .
( 7 ) - الجامع للشرائع : 572 .