أدلّة حرمة الرشوة :
لا شكّ انّ الموضوع الذي يحظى بالأهمية القصوى في هذا البحث إنّما يكمن في أدلّة حرمة الرشوة ؛ وذلك لأنّ طبيعة وكيفية قيام تلك الأدلّة إنّما تختزن جوهر الأجوبة التي تتكفل بالرد على الأسئلة والاستفسارات المطروحة إلى جانب مستحدثات المسائل بشأن مفهوم الرشوة . ولذلك علينا أن نرى هل لدينا من دليل يمكن الرجوع إليه في حالات الشك في الحرمة من بين أدلّة الاطلاق اللفظية أم لا ؟
فقد ذهب بعض جهابذة الفقهاء إلى انّ حرمة الرشوة من ضروريات الدين ، ثمّ استدلوا على حرمتها بالأدلّة الأربعة المعروفة ، فقد قال آية اللَّه السيد الخوئي : « فقد قالوا في الجملة بأنّ حرمة الرشوة من ضروريات الدين » « 1 » .
وكذلك يراها صاحب العروة الوثقى المحقق اليزدي على أنّ حرمتها من ضروريات الدين « 2 » .
على كلّ حال فإنّ أغلب الفقهاء تمسكوا بالأدلّة اللفظية واللبية « 3 » في مقام استدلالهم على حرمة الرشوة وسنشير هنا لتلك الأدلّة بصورة اجمالية :
1 - الكتاب :
لقد استدلوا بعدة آيات قرآنية على حرمة الرشوة وأهمها :
أ - الآية : [ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ
]
«
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاس بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
« 4 » .
وتقريب دلالة الآية هو انّ عبارة « وتدلوا بها إلى الحكام » معطوفة « 5 » على قوله « ولا تأكلوا » ، أي انّ اللَّه ينهى عن اعطاء الأموال للقضاة من أجل التعدي على حقوق الآخرين وأموالهم والنهي يدل على الحرمة .
هامش
( 1 ) مصباح الفقاهة 1 : 417 ، وكذلك حدود الشريعة 1 : 263 .
( 2 ) العروة الوثقى ، السيد محمّد كاظم اليزدي ، 3 : 22 .
( 3 ) المقصود بالأدلّة اللبية هي الأدلّة التي ليس لها مدلول لفظي ؛ كالعقل والاجماع والسيرة .
( 4 ) البقرة : 188 .
( 5 ) هناك احتمالان في قوله « وتدلوا » :
1 - أن تكون الجملة معطوفة على « ولا تأكلوا » ، فالفعل مجزوم بالنهي ، والجملة تدلّ على حرمة الرشوة .
2 - ويمكن أن تكون الواو بمعنى مع والفعل منصوباً بأن المقدَّرة ، فتكون الآية بجملتها دالّة على حرمة الرشوة . تفسير الميزان 2 : 51 . وسائر التفاسير .