وبعبارة أخرى : إنّ لسان هذه القواعد لسان نفي الأحكام الشرعية ، لا لسان إثباتها ؛ فإنّها أجنبية عن هذا المعنى .
الثالثة : أنّ القواعد الفقهية لا تصلح للاستدلال بها حتى تكون متسالماً عليها من جميع الفقهاء بنحو لا ينتاب الفقيه أدنى شك بانطباقها على المورد المستدلّ بها عليه .
وفي غير هذه الصورة يرجع إلى دليلها للتحقق من وفائه بالاستدلال على المورد وعدمه ؛ فإن كان الدليل عليها تسالم الأصحاب وإجماعهم اقتصر في الاستدلال بها على القدر المتيقن دون الخصوصيات الزائدة التي يحتمل تأثيرها في ثبوت الحكم وارتفاعه ، وإن كان الدليل عليها دليلًا لفظيّاً رجع إليه في الاستدلال أيضاً لمعرفة شموله للمورد .
ومن الواضح أنّ انطباق القواعد المذكورة في مورد الدفاع عن عزّة الإسلام والمسلمين المؤدّي إلى تثبيت حكم الحاكم الجائر غير ثابت ؛ وإلّا لم يختلف الفقهاء فيه ، فلا بدّ من الرجوع إلى الأدلّة اللفظية للقواعد - إن كانت - لمعرفة مدى وفائها بمورد الاستدلال .
الدليل الثالث :
الأدلّة اللفظية للقواعد المتقدّمة ، مثل قوله تعالى : «
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا »
« 1 » ؛ بدعوى أنّ اللَّه سبحانه نفى جعله السبيل للكافر على المؤمن ، وجاء بالسبيل نكرة ، والنكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم ، فيثبت نفيه جعل كل ما يكون سبيلًا لتسلّط الكافر على المسلم ، ومنه جعل الحكم بحرمة مقاومة الكفّار في حال تسلّطهم على المسلمين في النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها ؛ إذ جعل الحكم بحرمة قتالهم يفسح المجال أمام تسلّط الكفّار على المسلمين ، بخلاف ما إذا لم تجعل الحرمة المذكورة .
هامش
( 1 ) النساء : 141 .