فإذا اعتبرنا كل عنوان من أبواب الجامع الروائي في وسائل الشيعة رأياً فقهياً للشيخ الحرّ العاملي ، فسنجد أنّ من حالاته التي تدعو إلى التأمل هو تمسّكه بخبر أبي إسحاق الخفاف عن اليعقوبي عن أبيه في الحكم بكراهة اجتماع الناس عند إقامة الحد . فقد جاء في هذا الخبر : « اتي أمير المؤمنين عليه السلام وهو بالبصرة برجل يقام عليه الحد ، قال : فأقبل جماعة من الناس فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا قنبر انظر ما هذه الجماعة ؟ قال رجل يقام عليه الحد ، قال : فلما قربوا ونظر في وجوههم قال : لا مرحباً بوجوه لا تُرى إلا في كل سوء ، هؤلاء فضول الرجال أمطهم عني يا قنبر » « 1 » .
في ضوء هذا الخبر ، نجد أنه عندما جيء بشخص إلى أمير المؤمنين عليه السلام لإقامة الحد عليه ، تدافع قوم للتفرج على إقامة الحد ، فتساءل أمير المؤمنين عن سبب ذلك فأجاب قنبر بأنهم جاءوا يتفرجون على إقامة الحد ، فنظر أمير المؤمنين باشمئزاز إليهم وأعرب بقوله : « لا مرحباً بوجوه لا تُرى إلا في كل سوء . . . » عن امتعاضه من أناس لا يرون إلا في موارد السوء ، ثمّ طلب من قنبر إبعادهم عنه .
وكما يُلاحظ ، فإن هذا الخبر هو مجرد رواية لنوع من التعاطي القائم على ملاحظات نفسية من قبل الشارع تجاه مخاطبيه .
أضف إلى ذلك ، لو صرفنا النظر عن مشكلات السند ، فإن نص الخبر يتعارض مع دلالة الآية :
« وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
« 2 » ، وأما الجمع بين الخبر والآية بالحكم بكراهة الحضور عند إقامة الحد فهو بعيد جداً بالنظر إلى اللهجة غير التسامحية للآية . وإذا كان العلّامة وغيره قد حملها على الوجوب بالنظر إلى ظاهر الآية ، فلو تساهلنا في قبولنا رأي الشيخ الطوسي في المبسوط بحملها على الاستحباب ، فإن حملها على الكراهة نظراً للخبر المذكور هو موضع تأمل للغاية من الناحية الأصولية ؛ إلا أن نأخذ بنظر الاعتبار
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة 18 : 334 ، باب 22 من أبواب مقدمات الحدود ، ح 1 .
( 2 ) - النور : 2 .