قال فيه ما نصّه : « إذا وجب لرجل على غيره قود في نفس أو طرف لم يكن له أن يستوفيه منه بنفسه بغير سلطان ؛ لأنّه من فروض الأئمّة ، فإن خالف وبادر واستوفى حقّه وقع موقعه ولا ضمان عليه وعليه التعزير ، وقال بعضهم : لا تعزير عليه ، والأوّل أصحّ ؛ لأنّ للإمام حقّاً في استيفائه » « 1 » . وعبارته كالصريحة في وجوب الاستئذان من الإمام ، وإنّ الوجه له أنّ للإمام حقّاً في استيفاء القصاص لا بدّ من رعايته ، والمبادرة إليه بلا إذن منه تهجّم على حقّه وتضييع له .
وقال في النهاية - في باب القود بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار والمسلمين والكفّار - ما نصّه : « وإذا قتل الذمّي مسلماً عمداً دفع برمّته هو وجميع ما يملكه إلى أولياء المقتول ، فإن أرادوا قتله كان لهم ذلك ، ويتولّى ذلك عنهم السلطان » إلى أن قال : « فإن قتل عبد حرّاً عمداً كان عليه القتل إن أراد أولياء المقتول ذلك . . . فإن أرادوا قتله تولّى ذلك عنهم السلطان أو يأذن لهم فيه » « 2 » .
وقال أيضاً فيها - في آخر باب القصاص وديات الشجاج - : « ومن أراد القصاص فلا يقتصّ بنفسه ، وإنّما يقتصّ له الناظر في أمر المسلمين أو يأذن له في ذلك ، فإن أذن له جاز له حينئذٍ الاقتصاص بنفسه » « 3 » .
ودلالة عباراته الثلاث على أنّ أمر القصاص - بعد اختيار الجاني أو ولي المقتول له - بيد وليّ الأمر واضحة على ما بيّناه ذيل عبارة المقنعة .
3 - ومن القائلين بأنّ أمر القصاص بيد السلطان وأنّه ليس لأولياء الدم ولا الجاني في قصاص الطرف تولّيه إلّا من بعد إذنه المحقّق ابن إدريس في سرائره ،
فإنّه قدس سره عبّر - في باب القود بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار والمسلمين والكفّار - « 4 » بعين عبارتي النهاية ، ولم يزد عليهما شيئاً ، ولم يعلّق عليهما ما يوهم عدم ارتضائه . كما أنّه قد عبّر في باب القصاص وديات الشجاج والجراح بنفس عبارتها إلّا أنّه قال في آخرها : « فإن أذن له جاز له حينئذٍ الاقتصاص ، فإن بادر واقتصّ أخطأ ولم يجب عليه قود ولا قصاص » « 5 » .
هامش
( 1 ) المبسوط 7 : 100 ، من كتاب الجراح ، ط . المكتبة المرتضوية .
( 2 ) النهاية : 748 ، 750 .
( 3 ) النهاية 1 : 778 .
( 4 ) السرائر 3 : 351 ، 353 ، ط الجامعة .
( 5 ) المصدر السابق : 412 .