بالتأمل وملاحظة مناسبة الحكم والموضوع ، ففي الأول ليس التخصيص والإخراج منافياً لمناسبتهما ، بخلاف الثاني فان الحكم باختصاص المرء بالمال مناف لمناسبة الحكم والموضوع في النظام المذكور الآبي عن الاستثناء .
إن قلت : لا اعتبار بفهم العرف وجهَ حكم الشرع ، فسواء فهِمه أم لم يفهمه وجب علينا القول والاتباع والتسليم ، قال اللَّه تعالى
( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )
« 1 » وهذا أي عدم دخل فهم وجه حكم الشرع في وجوب الامتثال والتسليم القلبي والعملي ثابت بالعقل والشرع ، ولعلك لم تجد عارفاً بحكمة جميع الأحكام بالتفصيل لا من العلماء ولا من غيرهم إلا من علمه اللَّه تعالى ذلك .
قلنا : نعم يجب علينا التسليم والإطاعة وإن لم نفهم وجه حكمة الحكم ، بل كمال العبودية للَّه تعالى لا يتحقق إلا بالتسليم المحض قبال أوامر المولى ، فلا يسأل العبد في مشهد العبودية عن وجه أمر المولى ، لا يلتفت إلى نفسه ولا يرى إلا مولاه ، لا يقصد بعمله إلا وجه اللَّه تعالى وإطاعة أمره ، قال اللَّه تعالى
( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )
« 2 » وقال سبحانه وتعالى
( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ )
« 3 »
إلا أن ذلك لا يدفع ما ذكرناه ، ولا يبطل به ما يستظهر العرف بمناسبة الحكم والموضوع من الألفاظ ، فيرى في مورد العموم المستفاد من اللفظ آبيا عن التخصيص ، فيردّ دليل المخصص أو يحمله على ما لا ينافي
هامش
( 1 ) الأحزاب - 36
( 2 ) البيّنة - 5
( 3 ) النساء - 25