مناسك الحج وشعائره ليس إلّا مساحة الأرض الّتي تحيط ببيت اللَّه الحرام زادها اللَّه شرفاً وعزّاً ، ولا يجزي ما يؤتى بها في خارج هذه القطعة من وجه الأرض الّا عدد يسير مما نطقت به الأدلّة كالإحرام من مسجد الشجرة وكصيام سبعة أيّام بدل الهدي . والظاهر أنّ هذا الارتكاز لا يفرق بين حالتي الاختيار والاضطرار ، وهذا الارتكاز وإن لم يكن ممّا ينبغي أن يعتمد عليه في الجزم بالحكم الشرعي ، إلّا أنّه يمنع عن الركون إلى خلاف ما يقتضيه في استنباط الحكم الشرعي .
قلنا : هذا أشبه شيء بالاستحسان الظنّي ، ولا يمكن الركون اليه كما اعترف به صاحب هذا المقال ، وإذا لم يكن ممّا يمكن الركون إليه ، فلما ذا يمنع عن الركون إلى خلاف ما يقتضيه ؟ !
هذا - مضافاً إلى أنّ الذي لا يجوز الإتيان به من المناسك في غير هذه القطعة من الأرض أمور خاصّة كالوقوف بعرفات ، ومنى ، ومشعر ، والطواف ، والسعي ، ممّا يكون قوامه بالمحلّ الخاص ، ولكن غير واحد من المناسك قد يؤتي بها في غير هذه القطعة كركعتي الطواف ، فقد أفتى فقهاؤنا - رضوان اللَّه عليهم - بأنّه إذا نسيها ولم يأت بها وخرج من مكّة ولم يمكنه الرجوع إليها يأتي بهما في الطريق ، وإذا تذكّر بعد الرجوع إلى وطنه يأتي بهما في وطنه ، وقد صرّحت بذلك روايات الباب أيضاً :
منها : ما رواه أبو بصير - يعني المرادي - قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام ، وقد قال اللَّه تعالى :
« وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى »
حتّى ارتحل ، قال :
« إن كان ارتحل فإنّي لا أشقّ عليه ، ولا آمره أن يرجع ولكن يصلّي