كالآلة ( وقد صرّح بهذا التعبير صاحب الجواهر ) « 1 » ولكنّه ليس كذلك قطعا ، بل هو خلاف المفروض ، فانّ المفروض بقاء القصد مع الإكراه .
إن قلت : إنّ الفعل لا يستند إلى المكره ( بالفتح ) وإن كان مباشرا لضعفه وقوّة السبب وهو المكره بالكسر ( ذكره في بعض كلماته ) .
قلنا : كلّا ، بل ينسب الفعل إليه ، ولذا لا يجوز ذلك في الدماء ، ويبطل الصوم به ، وإنّما لا ينسب إذا كان مضطرّا ، ومن أشنع ما يلزم هذا القول جواز القاء الأبرياء في السجون طول عمرهم وتعذيبهم بأنواع التعذيب للإكراه في شيء يسير !
هذا واستدلّ هو قدّس سرّه لما ذكره بدليل نفي الحرج أيضا ، فانّ تحمّل الضرر لدفع الضرر عن الغير حرجي قطعا ينفي بأدلّته .
ولكن هذا الدليل أيضا كسابقه من أدلّة نفي الإكراه والضرر ، فانّه مبني على كون المقام من قبيل تحمّل الضرر لتوجّه الضرر إلى الغير بحسب مقتضيه ، ولكن قد عرفت أنّ هذا مبني على كون المكره كالآلة ، وقد عرفت أنّه ليس كذلك وهو ينافي الامتنان .
وإطلاق كلام القوم لعلّه ناظر إلى ما إذا كان الضرر المتوعّد به ضررا كثيرا ، وإلّا يبعد التزامهم بما ذكر ، وأمّا إطلاق أدلّة التقيّة وأنّه يباح بها كلّ شيء ما عدى الدم ، فالظاهر أنّه في مقام يخاف منه على النفس ، كما كان كذلك غالبا أو في كثير من الأوقات في تلك الأزمنة ، لا ما إذا خاف من ذكر كلام غليظ مثلا ، أو أخذ مال قليل كما هو ظاهر لمن راجعها .
وما أبعد بين هذا القول الذي يرخّص كلّ شيء في مقام الإكراه إلّا الدم ، وبين من يقول بعكس هذا القول ، وأنّه إذا كان الضرر المتوعّد به دفع مال ، يجب على المكره ( بالفتح ) دفع أمواله وترك الإضرار بغيره ، لأنّ إعطاء ماله أمر مباح ، وأمّا الإضرار بغيره حرام ، وظاهره إطلاق هذا الحكم ، يعني يجب عليه تحمّل الضرر الكثير لدفع اليسير عن غيره ، فانّ الأوّل حلال ، والثاني حرام « 2 » .
والظاهر أنّه أيضا غير خال عن الإشكال ، وهو صحيح مع قطع أدلّة نفي الضرر ، ولكن مع
هامش
( 1 ) . جواهر الكلام ، ج 22 ، ص 167 .
( 2 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 445 .